محمد سيادي ـ قطر
كان الإنسان القديم يستيقظ وهو لا يعرف سوى سؤال واحد: كيف أنجو حتى غروب الشمس؟
أما الإنسان الحديث، فيستيقظ وقد سبقه هاتفه إلى العمل. تنهال عليه الرسائل، والإشعارات، والأخبار العاجلة، والعروض التي تنتهي بعد ساعتين، والصور التي ينبغي أن يراها، والفيديوهات التي “لا بد أن تشاهدها”. قبل أن يغسل وجهه، يكون قد استهلك منبهاتٍ عصبيةً تكفي لإرباك دماغٍ صُمم أصلًا ليعيش بين الأشجار، لا بين شبكات الواي فاي.
المشكلة أن أدمغتنا لم تحصل على مذكرة تخبرها بأن العالم قد تغيّر.
فالدماغ البشري لا يزال يعمل بالمنطق القديم نفسه؛ يفسر كل تنبيه على أنه أمر يستحق الانتباه، وكل صوت مفاجئ على أنه احتمال خطر، وكل مجهول على أنه تهديد ينبغي الاستعداد له. لكنه اليوم لا يواجه نمرًا يخرج من بين الأعشاب، بل يواجه مئات “النمور الرقمية” كل يوم، وكلها تصرخ في وجهه: “انتبه… هناك شيء يفوتك!”
كان أسلافنا يعرفون التوتر، لكنه كان ضيفًا ثقيلًا لا يطيل الإقامة. يخرج للصيد، يواجه مفترسًا، ينجو من معركة، ثم يعود الجسد إلى هدوئه. يهدأ القلب، تسترخي العضلات، وينام الإنسان نومًا عميقًا كأن الأرض نفسها تحتضنه.
أما نحن، فقد جعلنا التوتر مستأجرًا دائمًا.
لا يوجد مفترس حقيقي، لكن هناك موعد تسليم، ورسالة لم يُرد عليها أحد، وفاتورة تنتظر، وزحام خانق، وضوضاء لا تتوقف، وهواء أثقل مما ينبغي، وأخبار نهاية العالم التي تصل قبل الإفطار. حتى الإجازة أصبحت مشروعًا يحتاج إلى تخطيط، والتقاط صور، والرد على الرسائل، ثم العودة أكثر إرهاقًا مما كنا.
لقد أصبح الإنسان الحديث مطاردًا دون أن يركض، ومستنزفًا دون أن يحمل شيئًا.
والأغرب أننا لم نعد نعرف كيف تبدو الراحة أصلًا. نجلس على الأريكة، لكن أصابعنا لا تتوقف عن التمرير. نغلق الحاسوب لنفتح الهاتف، ونطفئ الهاتف لنفكر فيما فاتنا عليه. حتى أثناء النوم، يظل جزء من العقل واقفًا عند الباب، ينتظر رنينًا أو اهتزازًا أو فكرة تقلقه بشأن الغد.
لقد انتقلنا من الخوف من الحيوانات المفترسة إلى الخوف من المستقبل. والخوف من الجوع إلى الخوف من التأخر. والخوف من الموت إلى الخوف من أن نبدو أقل نجاحًا من الآخرين.
ولعل أكثر مفارقات العصر سخرية أننا نملك أجهزة توفر الوقت أكثر من أي جيل سبقنا، ومع ذلك لا نجد وقتًا. نملك وسائل تواصل لا حصر لها، لكن الوحدة تتسلل إلينا بهدوء. نملك رفاهية لم يحلم بها أسلافنا، لكننا ننام بقلق أكثر منهم.
ربما ليست المشكلة في التكنولوجيا نفسها؛ فهي مجرد أداة. المشكلة أننا سمحنا لها أن تصبح البيئة التي يعيش فيها وعينا كله. لم نعد نستخدمها، بل أصبحت تستخدم انتباهنا، دقيقةً بعد أخرى، حتى صار الصمت يبدو غريبًا، وأصبحت لحظة الفراغ تُشعرنا بالذنب، وكأن الإنسان خُلق ليبقى منشغلًا إلى الأبد.
لذلك، حين يقول أحدهم إنه يشعر بالإرهاق دون سبب واضح، فلا تتعجل في نصحه بالنوم أو بالإجازة. قد لا يكون متعبًا من العمل وحده، بل من الاستنفار المستمر. من آلاف القرارات الصغيرة، ومن الضجيج الذي لا يسمعه أحد سواه، ومن عالم يطالبه بأن يكون حاضرًا في كل مكان، طوال الوقت.
وربما كان أكثر ما يحتاجه الإنسان اليوم ليس سرعةً أكبر، ولا تطبيقًا أذكى، ولا ساعةً أكثر دقة… بل لحظة صادقة يتذكر فيها أن دماغه لم يُخلق ليعيش في حالة طوارئ دائمة.
فالآلة تستطيع أن تعمل أربعًا وعشرين ساعة متواصلة.أما الإنسان… فلا.
تعليقات الزوار ( 0 )