سعيد المحمودي / وجدة
مقدمة نقدية لمسرحية “قطار الحياة” للكاتبة حياة شريف
قبل أن نلج النص المسرحي، وقبل أن نصعد إلى عربات هذا القطار، الذي تقوده الكاتبة حياة شريف عبر محطات الألم والذاكرة والإنسانية، نجد أنفسنا مدعوين إلى رحلة لا تشبه الرحلات العادية. إنها رحلة نحو أعماق الإنسان، نحو تلك المناطق المظلمة التي يختبئ فيها الحنين والفقد والندم والأمل في مسرحية “قطار الحياة” لا تحكي الكاتبة قصة عجوز متشرد يجلس على رصيف مدينة، بل تحكي قصة إنسان أضاع الطريق إلى نفسه شخصية تبدو في ظاهرها مهزومة ومنسية، لكنها تحمل بين طياتها تاريخاً كاملاً من الأحلام والانكسارات والذكريات المؤجلة تأخذنا الكاتبة بحس إنساني رفيع، من ضجيج الشارع إلى صمت الذاكرة، ومن قسوة الواقع إلى هشاشة الروح، ومن مظهر الإنسان إلى جوهره العميق. فكل شخصية في هذا العمل ليست مجرد عنصر درامي بل نافذة تفتح على سؤال إنساني عميق سؤال يتعلق بالهوية والمصير، وبقدرتنا على أن نرى الإنسان خلف ملامحه المتعبة.
وتبدو شخصية كنزة في هذا السياق أكثر من مجرد شخصية داخل الأحداث إنها صورة للأمل حين يرفض الاستسلام، والوفاء حين يصبح نادراً، وللإنسانية حين تنتصر على اللامبالاة. ومن خلال علاقتها بالأستاذ القاسمي، تذكرنا الكاتبة بأن بعض اللقاءات لا تحدث صدفة، وأن بعض الأشخاص يعبرون حياتنا ليعيدوا إلينا ما فقدناه من ذواتنا ما يلفت الانتباه في هذا النص هو ذلك التوازن الجميل بين البساطة والعمق فالحوار قريب من الحياة اليومية، لكنه يحمل في داخله أسئلة فلسفية مؤثرة، والأحداث تتدفق بسلاسة بينما تختبئ وراءها طبقات متعددة من الدلالات والمعاني
لقد اختارت حياة شريف أن تجعل من المسرح فضاء للإنصات إلى الإنسان، وأن تمنح صوتاً لمن يعيشون في الظل لأولئك الذين يمرون أمامنا كل يوم دون أن ننتبه إلى القصص الثقيلة التي يحملونها في قلوبهم.
في الظل: لأولئك الذين يمرون أمامنا كل يوم دون أن تنتبه إلى القصص الثقيلة التي يحملونها في قلوبهم. لذلك فإن “قطار الحياة” لا يقدم حكاية فرد واحد فقط، بل يروي جزءاً من حكاية كل واحد منا، لأننا جميعاً مسافرون في هذا القطار الكبير، تحمل ذكرياتنا وأحلامنا وخساراتنا، ونبحث في النهاية عن محطة تمنح حلتنا معنى. إن هذا النص يؤكد مرة أخرى أن المسرح حين يكتب بصدق يصبح أكثر من مجرد فن يصبح فعل محبة وشهادة على الإنسان، ومحاولة دائمة لفهم هذا الكائن الهش والعظيم في الوقت نفسه، وإذ نضع هذه المسرحية بين يدي القارئ، فإننا لا نقدم نصاً للقراءة فحسب، بل ندعوه إلى رحلة وجدانية وفكرية داخل عالم صاغته الكاتبة حياة شريف بحساسية إنسانية واضحة، وبإيمان عميق بأن الفن قادر دائماً على أن يضيء أكثر الزوايا عتمة في الروح البشرية. كل الشكر للكاتبة حياة شريف على هذا العمل المسرحي الإنساني الجميل الذي يجمع بين عمق الفكرة وصدق الإحساس تتمنى لها مزيداً من التألق والإبداع في مسيرتها الفنية.
تعليقات الزوار ( 0 )