مريم فرجي ـ وجدة
لمايتحول صمت وقدم الأشياء إلى شهادة على العواطف والذكريات
تصل إلى مرحلة لا ترتدي فيها اغلب ملابسك ، تحدق في الدولاب المخصص لأزياء الحفلات ، والمناسبات الرسمية والآخر الذي يحتوي على الملابس الرياضية والأخرى العادية التي اصبحت بمثابة الزي العسكري ، وتكتفي بالتردد يوميا على الدولاب الخاص بالألبسة العادية المريحة وكأن جميع ما يتواجد لديك من ملابس أضعت فيها ميزانية ووقتا ثمينا من اجل حسن الاختيار ، لم تعد تهمك وكأنها مخصصة لغيرك
اما جناح الأحذية فاصبحت تتأمله بشعور من الغربة ، غربة الزمن الجميل متى كان الكعب العالي رمزا للأنوثة والأناقة ، تم الاستغناء عنه وتعويضه بالأحذية الرياضية المريحة والتي اصبحت ترتديها النساء والفتيات حتى مع الملابس التقليدية
ويحي من هذا الزمن
لو كانت حماتي على قيد الحياة لوبختني على عدم احترام التقاليد وطقوس الاناقة .
فكرت في التصدق بما تحتويه هذه الدواليب ولكن ذكريات من الماضي جعلتني أتردد ، كما ان الجيل الحالي يكتفي بالضروريات فقط وبما هو عملي ومريح دون الاكتراث بفلسفتنا الجمالية حسب منظورنا التقليدي بل وقد يرى في هذا الغنى المتنوع من الألبسة والاكسسورات انها لم تعد تتناسب مع مستجدات العصر و صيحات الموضة ،
الم اعاين مؤخرا في باريس مدينة الانوار والجميلات الأنيقات ان جل النساء ترتدين ملابس مريحة وأحذية رياضية ، وصرت أتفرس في الوجوه لألاحظ علامات الارهاق والهالات السوداء تحت الاعين ومسابقة الزمن من اجل الوصول إلى مقرات العمل
والتوفيق بينه وبين الالتزامات العائلية
لذلك ما العمل ؟ هل نكتفي بصيانة هذا المخزون من الالبسة التي رافقتنا لعقود ونستأنس بوجودها ضمن ذكريات العهود الجميلة ، ام نبيعها عبر الانترنيت كما نصحتني بذلك بعض الشابات من قريباتي او نترك مصيرها لورثتنا من بعدنا قصد التصدق بها او جمعها في صناديق مع الكتب القديمة ،
اه تذكرت الكتب القديمة وماذا سيفعلون بخزانات كتبنا التي جمعناها بكل حب وشغف ، خاصة في زمن الثورة الرقمية والذكاء الاصطناعي الذي اصبح يجيب عن اي سؤال من ابي العلاء المعري إلى باسكال ومن رسالة الغفران إلى رهان باسكال ، إلى نظرية الجاذبية ، واصبح جيل الحواسب والهواتف الذكية والصداقات الافتراضية التي حلت محل الصداقات الحقيقية ، يؤمن بالحوار الرقمي و العلاقات عبر مواقع التواصل الاجتماعي ولا يكترث و لا يرى من يجلس بجانبه . بل عاينت عريسين بتركيا في شهر العسل وكل منهما منشغل عن الاخر بهاتفه الذكي ولما وجهت لهما الملاحظة نظرا الي وكأنني مخلوق غريب
لو كان لدي فضاء يتسع لهذه التراكمات من الالبسة العصرية والتقليدية والاحذية وملابس النوم والطواقم الرياضية لأحدثت متحفا صغيرا اعلق فيه كل ما اقتنيته بحب واقتناع ولم تشأ الأقدار ان أتمتع بارتدائه
وحاليا اصبحت هذه الترسانة من الملابس والأحذية و الحقائب اليدوية والطواقم الرياضية والمساحيق بمختلف الأنواع ترقبني وتتهكم علي وتتحداني ان استطعت ارتداءها بخيلاء ودلال ، لذلك سأتركها وشأنها وأقوم ي بصيانتها بعد كل عاصفة رمل تحل بمدينة وجدة إلى أن اختفي عن الأنظار ويتصرف فيها خَلَف لن يعرف حتما قيمتها ورمزيتها ومختلف محطاتها وذكرياتها السعيدة والأليمة ومدى ارتباطها بمناسبات وأشخاص اعزاء بل وحتى اخرين اعداء
هو حال الدنيا ، لا نرتبط بالأشياء بقدر ما نرتبط بحقب ومحطات واشخاص بعضهم غادر إلى دار البقاء وترك في القلب لوعة وحزنا دفينا والبعض الاخر غاب عن أعيننا ولا ندري ما يكابده من معاناة مثلنا
تعليقات الزوار ( 0 )