د . أحمد غزاونه
على مشارف مدينة القدس، يقع ذلك المصنع القديم الذي تتجلى منه آهات العمال الفقراء وأنين العاملات الأرامل والمطلقات ،كنت في ال 14 من عمري، وقد أخبرني مسؤول المصنع أنني سألتحق به لمدة 90 يوما خلال العطلة المدرسية.
حينما كان الكثير من طلاب المدارس يحزمون أمتعتهم لقضاء الاجازة المدرسية مسافرين للترفيه، كنت أبحث عن ملابس قديمة تلائم العمل في ذلك المصنع.
علمت انني سأعمل 8-10 ساعات يومياً ، بأجر لا تزيد قيمته عن 7 دولارات يومياً، واستراحة لا تزيد عن 30 دقيقة فقط.
كنا نصنع العديد من أنواع وأشكال الشكولاتة الفاخرة ، المجبولة بدموع العمال الفقراء والمغلفة بآهات النساء الأرامل والمطلقات ، الذين اتخذوا من هذا المكان ملجأ يسد أدنى احتياجاتهم كبشر.
شاءت الأقدار أن أعمل في كافة الأقسام وألتقي بكافة العمال والعاملات واستمع لقصصهم التي كانت تنزل على مسامعي مثل الحمم .
انا ابن ال 14، تخرجت من المصنع شخص آخر، أكثر صلابة وأقوى تحدياً.
أبو محمد، رجل سبعيني، قضى في إحدى الدول الخليجية عمره كأستاذ، وحين كبر ولم تعد منه فائدة تم طرده ،عاملة أخرى لا أذكر اسمها، رحل عنها زوجها وترك لها من الأطفال خمسة، وأخرى طلقها زوجها وتركها للشارع ،فلم يرحمها مجتمع ولم يرأف لحالها أحد، وباسل شاب في ال 18 علم أن لا مستقبل له ،فالمصنع اصبح عالمه.
كل يوم صباحا، اقترب من بناء المصنع فأشم رائحة التعب، الهموم، الآهات التي التصقت برائحة الشوكلاتة التي كانت تنقل للأسواق فتستخدم في الأفراح والمناسبات لتجلب السعادة، بعد ان اختلطت بدموع العمال والعاملات.
أصبحت أكره المصنع، لأنه كان بيئة مصغرة لمجتمع منهك ومتعب، الفقير فيه يبقى فقيرا لا احد يجبر بخاطره والمتعب يبقى متعباً لا أحد يعينه، والمظلوم فيه لا ينصف.
كل يوم، كنت أعلم أني اقتربت من مغادرته بلا رجعة حاملاً معي دروساً لن اتعلمها في أرقى جامعات العالم التي عقدت فيها مؤتمرات وندوات وورشات عمل.،وكلمات لن أسمعها حتى من اصحاب الشركات العالمية التي اجتمعت معهم لعقد صفقات او للإتفاق على مشروعات عالمية.
غادرت ذلك المصنع مع بعض قطع الشكولاتا التي لا تصلح للتغليف فتعطى للعمال والعاملات ،ومع كل نظرة عليها قبل أكلها أتذكر تلك الأسماء والدموع والآهات.
لا تقبل أبداً أن تكون مظلوماً ولا تقبل أبداُ بواقعك المؤلم ،لأنه لن ينبثق منه إلا التعب الدائم لك ولأسرتك ولمن حولك.
ماضينا هو من أوصلنا لحاضرنا وهو من سيأخذنا للمستقبل الذي نبنيه بأيدينا.
توكل على الله ولا تذهب لذلك المصنع، بل إبن مصنعاً لك تفوح منه رائحة المستقبل والأمل والراحة لك ولكل من سيعمل به.
تعليقات الزوار ( 0 )