أحمد بوعروة
هل يمكن أن نختصر حياة نساء الجبل في كلمة “معاناة”؟
أم أنهن في الحقيقة مدرسة في الصبر، وجغرافيا ناطقة باسم الوطن؟
من قال إن المرأة الجبلية مجرد ظلّ خلف البغل أو الحطب؟ أليس حضورها في الحقول والوديان والثلوج شكلًا من البطولة اليومية التي لا تصنعها الكاميرات؟
ومن سيكتب يوماً عن جمال أرواحهن قبل أن يكتب عن قسوة الجبل؟
1. حين تصبح القمم شاهدة على العطاء
في أعالي إقليم بولمان، بين سكورة، وسرغينة، وتفردوست، وتاغروت، وإيموزار مرموشة، تتنفس نساء الجبل ببطء، كأن الهواء نفسه يقاسمهن التعب والكرامة.
وجوههن مشدودة بالشمس، وأيديهن تعرف طريقها إلى الأرض دون خريطة. ينهضن قبل الفجر، يحملن الماء والحطب والغذاء، ويعُدن مع الغروب محملات بالعناء والرضا.
في كل بيت جبل، هناك امرأة تصنع الحياة بصمت.
هي الأم التي تغزل الصوف في ليالي الشتاء الطويلة،
هي الفتاة التي تقطع الكيلومترات إلى المدرسة،
هي الزوجة التي تقف جنب الرجل في الحقل،
وهي الجدة التي تحفظ الحكايات وتورّثها للأجيال.
2. من الحطب إلى الحلم… مسارات كرامة
في بولمان، لا تُقاس المسافة بالكيلومترات، بل بكمية الصبر.
من غابة تاغروت إلى وادي تفردوست، ومن جبال سرغينة إلى سهول سكورة، تسير نساء كثيرات على الأقدام وهن يحملن أحلامهن فوق ظهورهن.
يحملن الحطب لتدفئة الأطفال، لكنهن أيضًا يحملن الحلم بأن يرى أبناؤهن مدارس مجهّزة ومستشفيات قريبة.
كم من طفلة كانت تسير في طريق الحطب فصارت معلمة؟
وكم من شابة تحدّت نظرة المجتمع فصارت فاعلة جمعوية أو مبدعة في الجمعيات النسائية المحلية؟
التحولات بطيئة، لكنها موجودة، تنبت مثل الزهر في صخور الجبل.
3. التعليم… بداية التغيير الصامت
في السنوات الأخيرة، بدأ الوعي يتسلل إلى القرى النائية عبر المدارس ودور الفتاة والمبادرات الجمعوية.
في سكورة بولمان وسرغينة مثلاً، أنشئت مراكز تستقبل الفتيات القرويات لتأمين متابعة دراستهن، في بيئة آمنة ومحفّزة.
من رحم هذه المراكز خرجت قصص نجاح نساء حملن مشعل التغيير.
لكن السؤال يبقى:
هل يكفي التعليم وحده ما لم يرافقه طريق معبّد، ومستشفى قريب، ووعي جماعي بأهمية المرأة الجبلية في التنمية؟
4. مهرجان الزعفران والنباتات الطبية والعطرية… نافذة الجبل على العالم
في دورة أولى وُصفت بالاستثنائية، أطلق إقليم بولمان مهرجان الزعفران والنباتات الطبية والعطرية، الذي تحوّل إلى منصة مفتوحة لتسليط الضوء على النساء الجبليات العاملات في التعاونيات المحلية.
تحت خيام المعرض ومداخل سكورة وسرغينة وتفردوست، وقفت نساء بوجوه الشمس وأيادي الأرض، يقدمن منتجاتٍ تحمل عبق الجبل ورائحته: زعفران نقيّ، أعشاب طبية، زيوت عطرية، وصناعات تقليدية صُنعت بحب وصبر.
المهرجان فتح نوافذ جديدة أمام التعاونيات النسائية التي كانت تشتغل في الظل، وربطها بأسواق وطنية ودولية، وأعاد الاعتبار لجهد النساء اللواتي حوّلن الزعفران من مجرد “زهرة في الأرض” إلى رمز للكرامة والتمكين الاقتصادي.
ومن بين تلك النوافذ اللامعة، برزت نساء سرغينة اللواتي استطعن من خلال التعاونيات المحلية تحويل الأعشاب الجبلية إلى مواد تجميلية وزيوت طبيعية، فصارت منتجاتهن مطلوبة داخل المغرب وخارجه.
لقد أثبتن أن نساء بولمان لم يعدن فقط حاملات للحطب، بل حاملات لمشاريع تنمية حقيقية تنبع من الجبل وتعود بالنفع عليه.
5. الحرف اليدوية… الاقتصاد الأنثوي الصامد
الحياكة، التطريز، صناعة الزرابي، إعداد الأعشاب الطبية والعطرية… كلها مجالات تتقنها نساء بولمان وسرغينة منذ أجيال.
لكن مهرجان الزعفران كشف للعالم أن هذه الحرف ليست بقايا من الماضي، بل مستقبل واعد إذا ما توافرت الرؤية والدعم.
وراء كل منتوج نسوي هناك قصة نجاح صغيرة، ووراء كل زربية أو قارورة زيت هناك امرأة آمنت بنفسها وبجبلها.
6. الجبل لا يرحم… لكنه يحتضن
في الشتاء، حين تتساقط الثلوج وتغلق المسالك، تصبح الحياة في الجبل اختبارًا للإنسانية.
ومع ذلك، لا تفقد نساء بولمان روحهن المضيئة.
من بين البيوت الطينية، يخرج دفء غريب، خليط من الدعاء والضحك والصلابة.
يتقاسمن الخبز والملح والمواسم، ويتحدين الطبيعة بابتسامة.
هنّ المعنى الحقيقي لـ”التنمية المستدامة”، لأنهن يصنعن الاستمرار رغم غياب الإمكانيات.
7. بين القسوة والجمال… حكاية مفتوحة
قد يظن الزائر أن الجبل قاسٍ، لكنه في الحقيقة مرآة لقوة النساء.
كل تجعيدة على وجه امرأة جبلية هي سطر في كتاب الحياة،
وكل خطوة على الطريق الوعر هي صفحة من صبر الوطن.
فهل آن الأوان أن يُروى هذا الكتاب بصوتٍ جهور في الإعلام والسينما والبرامج الاجتماعية؟
ألا تستحق نساء بولمان وسرغينة أن يصعدن من الجبل إلى الشاشة، من الظل إلى الضوء؟
8. نحو رؤية إنسانية وتنموية
نساء الجبل لسن موضوعًا إنسانيًا عابرًا، بل ركيزة في معادلة التنمية المحلية.
الاستثمار في تعليمهن، في مشاريعهن الصغيرة، وفي البنية التحتية التي تسهّل حياتهن،
هو استثمار في كرامة الوطن نفسه.
لقد أثبتن أن الصبر يمكن أن يكون طريقًا للتغيير، وأن الجمال يمكن أن يولد من القسوة.
نماذج مضيئة
من رحم القمم والوديان، خرجت تجارب نسائية تستحق أن تُروى كنماذج حية للنجاح:
1. تعاونية الزعفران بسكورة بولمان:
تقودها نساء آمنّ بأن “زهرة الزعفران” ليست فقط منتوجًا فلاحياً، بل رسالة في الصبر والإتقان. استطعن خلق منتوج عالي الجودة يُسوّق وطنياً، ويمثل مورد رزق مستدام لأسر عديدة.
2. تعاونية الأعشاب الطبية والعطرية بسرغينة:
نجحت في تحويل نباتات الجبل إلى زيوت ومراهم طبيعية تجذب الزوار والباحثين عن الجمال النقي.
هذه التعاونية أصبحت نموذجًا يُحتذى في تثمين الموارد المحلية وتشغيل النساء القرويات في بيئة كريمة.
3. تعاونية الزربية التقليدية بتفردوست:
تحافظ على ذاكرة المكان ونقوش الأمهات.
كل خيط في زربية منسوجة هناك هو حكاية عن الزمن والهوية، وعن نساء يصنعن الفن من العرق والحنين.
هذه النماذج ليست سوى بداية طريق طويل، حيث تتحول الجبال إلى مدارس للإبداع، والنساء إلى أيقونات للتنمية المحلية.
خاتمة
نساء الجبل في بولمان وسرغينة لا يطلبن المستحيل… فقط يردن أن يُرى ما يفعلن،
أن يُسمع صوتهن كما يُسمع صدى الريح في القمم العالية،
أن يُكتب عنهن كما تُكتب القصائد عن الشجاعة،
وأن يُقال يومًا:
“من الجبل خرجت نساء علّمننا معنى الصمود، ومعنى الحياة.”
تعليقات الزوار ( 0 )