في اليوم العالمي للتراث السمعي البصري:التراث ليس ترفاً فكرياً بل معركة خلود لهوية الأمة - مجلة زهرة
مساحة اعلانية

في اليوم العالمي للتراث السمعي البصري:التراث ليس ترفاً فكرياً بل معركة خلود لهوية الأمة

كتبه كتب في 27 أكتوبر 2026 - 7:47 م
مساحة اعلانية

زهرة

خصصت منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة “اليونيسكو“ يوم السابع والعشرين من أكتوبر ليغذو نافذة عالمية للاحتفاء بالتراث السمعي والبصري؛ إيماناً بأن الأفلام، والتسجيلات الصوتية والمرئية، والبرامج الإذاعية والتلفزيونية، ليست مجرد مواد أرشيفية جامدة، بل  النبض الحي لضمير الإنسانية ومرآة توثق مسيرة المجتمعات والأمم.

​يشكل الموروث السمعي والبصري شهادة ناطقة على العصر، وجسراً متيناً تعبر من خلاله الذاكرة الفكرية والثقافية بين الأجيال، ودرعا واقياً يحمي الهوية من التآكل، ويسلط الضوء على قضايا التراث في مواجهة أخطار الإهمال، وعوامل التعرية، والكوارث الطبيعية كالزلازل والحرائق.

​جاء اختيار هذا اليوم إحياءً لذكرى التوصيات التاريخية للمؤتمر العام لليونيسكو في دورته الحادية والعشرين عام 1980 لحماية الصور المتحركة، مروراً بتوصيات عام 2015 لحماية التراث الوثائقي برمته.

​لكن هذا الكنز الثمين لا يخلو من عوائق جسيمة تهدد بقاءه؛ فأشرطة الماضي وأفلامه تقف في وجه عدو خفي يتمثل في الرطوبة والغبار وسوء التخزين، فضلاً عن ندرة المعدات القادرة على قراءتها وتشغيلها. ومن هنا برزت الضرورة الملحة لإعادة ترميم هذا الإرث وترقيمه، عبر عمليات دقيقة تبدأ بالفحص والتصنيف، مروراً بتحويل الملفات من حالتها التناظرية (الأنالوج) إلى الملاذ الرقمي الآمن، وصولاً إلى ضغط الملفات، ونسخها الاحتياطي على وسائط متعددة، واستيطان أحد حصونها في التخزين السحابي (Cloud Storage) لتنجو من غضب الطبيعة ومخاطر الفناء.

​تحتفي الأمم والشعوب بهذا اليوم بطقوس ثقافية رحبة في المتاحف الكبرى، والمكتبات العريقة، والجمعيات المتخصصة، حيث تُستعاد أصوات الماضي وتُبعث الأفلام الوثائقية والوطنية من جديد. ويقف خلف هذا الجهد العظيم تحالف دولي يضم:

  • ​جمعية أمناء أرشيف الصور المتحركة
  • ​المجلس الدولي للأرشيف
  • ​الرابطة الدولية للمحفوظات الصوتية والمسموعة والمرئية
  • ​الاتحاد الدولي لأرشيف الأفلام

​جرس إنذار: التراث في عصر الذكاء الاصطناعي

​في العقد الأخير، شهد العالم طفرة تكنولوجية غير مسبوقة وضعت برامج الذكاء الاصطناعي في متناول الجميع، بلا قيود أو رقابة سوى تلك التي يفرضها الضمير الشخصي. وهنا تكمن العاصفة؛ فقد بات تزييف الواقع وبث الأكاذيب أسهل من رمشة عين، لتصل الشائعات والمحتويات المفبركة إلى ملايين القلوب والعقول في لمح البصر.

​إذا كانت الأجيال المخضرمة قادرة اليوم على التمحيص والتدقيق مستندة إلى ذاكرتها الحية، فماذا عن أجيال الغد التي لم تعاصر هذا التراث ولم تلامس أصالة الحقيقة؟ كيف لها أن تدرك الزيف وهي لم تعرف الأصل قط؟

​على مر العصور، تطل علينا بين الحين والآخر أصوات تشكك في البداهات وتمارس غواية التأويل الشخصي؛ فمن زعم أن رمسيس الثاني هو فرعون موسى، إلى من نفى حدوث قصة موسى على أرض مصر برمتها، أو من ادعى أن رأس أبي الهول يرمز لنبي الله إدريس تارة، وللحكيم هرمس أو أوزوريس تارة أخرى! آراء وتفسيرات تفتقر إلى السند العلمي وتعتمد على الأهواء.

​فإذا كان هذا “اللغط القديم” قد وجد له أنصاراً قبل عصر الخوارزميات، فكيف سيكون الحال في زمن الطوفان الرقمي؟ حين تُعيد تقنية الهولوجرام رسم ملامح سيدة الغناء العربي لتُحيي حفلاً وهمياً في حاضرنا، فإننا نقف أمام أفق مرعب من الإبهار القادر على طمس الثوابت وتشويه الوعي.

​طوق النجاة

​إن المستقبل يحمل في طياته تحديات جساماً تستدعي وقفة جادة واستعدادات وطنية وثقافية متكاملة. حماية التراث ليست ترفاً فكرياً، بل معركة خلود لهوية الأمة.

​وعلى رأس أولوياتنا اليوم يأتي الاهتمام بالنشء والشباب، وتوعيتهم بتراثهم السمعي والبصري، وغرس مناعة ثقافية تحميهم من طوفان التزييف، لتبقى الحقيقة ساطعة، ولتبقى ذاكرة الأوطان نقية لا تلوثها أيدي العبث التقني.

تعليقات الزوار ( 0 )

اترك تعليقاً