زهرة
في عام 2015، لم تكن الساحة المكتظة في مدينة إزمير التركية سوى محطة انتظار ثقيلة لعائلات تفر من أهوال الحرب في سوريا. وسط الزحام، والوجوه المتعبة، والهمسات القلقة بين اللاجئين والمهربين، كانت هناك طفلة في الحادية عشرة من عمرها تُدعى إسراء. تتنقل بين الحشود بابتسامة لافتة لتبدأ يومها في بيع السجائر مع والدها طارق، حالمة برحلة إنقاذ تعبر بهم البحر نحو الأمان في ألمانيا.
في تلك اللحظة بالذات، تقاطعت طرق إسراء مع المخرجين عتاب عزام وجاك ماكينيس. كان الثنائي في مهمة لتوثيق رحلة اللاجئين لصالح شبكة “بي بي سي”، لكن الطفلة الفضولية والمتحدثة اللبقة خطفت أنظارهما. لم تكن شاهدة عيان في تقرير صحفي؛ كانت تحمل بين جوانحها قصة أكبر بكثير من عبور حدود. وهنا، بدأت الكاميرا بالدوران… ولم تتوقف لـ عشر سنوات كاملة!
رحلة الشتات: من القارب المطاطي إلى صدمة الوصول إلى الجنة
بدأت الحكاية بعبور محفوف بالخطر على متن قارب مطاطي متهالك، مروراً بالخيام الباردة تحت المطر، والقطارات والحافلات، وصولاً إلى مدينة كولونيا الألمانية.
لكن الوصول لم يكن نهاية القصة، بل كان بداية فصل أكثر تعقيداً: كيف تبني حياة جديدة في أرض غريبة؟
تجاوز المخرجان فكرة التوثيق السريع، وصارا جزءاً من حكاية العائلة؛ يتقاسمان معهم الطعام والحديث، ويساعدانهم على فك رموز المجتمع الجديد. وبينما كان الإعلام الغربي مشغولاً بالنقاشات السياسية وصخب “البريكست”، كانت كاميرا عتاب وجاك تسجل الحقيقة الهادئة والعميقة: قصة بشر حقيقيين يحاولون الاستمرار بعد حطام الحرب.
تحت مجهر الزمن: عندما تتغير الأدوار وتتصادم الأجيال
مع مرور السنوات، تحولت الكاميرا من رصد “رحلة الفرار” إلى رصد “رحلة التحول الشخصي”.
كَبُرت إسراء، تعلمت الألمانية، وارتدت ثوب المراهقة في مجتمع يمنح المرأة حريتها واستقلاليتها. وفي المقابل، كان والدها طارق يناضل في معركة من نوع آخر. طارق الذي عاش مرارة المعتقلات والعنف في سوريا، وجد نفسه عاجزاً عن استيعاب التحولات الجديدة داخل بيته؛ حيث بدأت زوجته نسرين وبناته يكتسبن استقلالية لم يعتد عليها في بيئته الأولى.
لم يطرح الفيلم هذه الصراعات كدراما عائلية مجردة، بل كشَف عن آثار الجراح القديمة وكيف يمتد ظل الماضي ليصطدم بحاضر مختلف تماماً.
إسراء من طفلة تائهة إلى أم شابة..
اليوم، تبلغ إسراء من العمر 22 عاماً. أصبحت أمّاً لطفلين، تزوجت من الرجل الذي اختاره قلبها — في خطوة تدين بالفضل للواقع الجديد الذي عاشته — وتسعى اليوم للحصول على وظيفة حكومية.
وكان من المفترض أن ينتهي تصوير الفيلم عند بلوغها سن الثامنة عشرة، لكن التحولات الكبرى، أشرعت فصلاً ختامياً مؤثراً: عودة إسراء إلى حلب.
تفتتح المشاهد الأولى للفيلم بتلك العودة المشحونة بالمشاعر؛ تفتش إسراء عن بقايا طفولتها في بيتها القديم بحلب. لكن العودة لم تعد بها طفلة كما كانت، بل أظهرت حجم التغيير الذي طرأ على روحها وهويتها.
“واحدة من مليون”: الحكاية التي تصنع السينما
اليوم، تخرج هذه الملحمة الإنسانية إلى النور من خلال الفيلم الوثائقي “One in a Million” (واحدة من مليون)، والذي حظي بعرضه الأول في مهرجان “صندانس” السينمائي الشهير، ويستعد للوصول إلى شاشات السينما ابتداءً من 6 نوفمبر.
يقول المخرج جاك ماكينيس إن الفيلم لا يتعلق باللجوء فحسب، بل وثيقة عن النضج والتغير وعلاقة الأبناء بالآباء.
لقد بدأت القصة بلقاء مصادفة مع طفلَة تبيع السجائر على أرصفة إزمير، لتتوج بفيلم سينمائي يلخص حقيقة بليغة: إن رحلة البحث عن الأمان لا تنتهي بمجرد عبور الحدود، بل تبدأ حقاً عندما تحاول بناء ذاتك من جديد.
تعليقات الزوار ( 0 )