زهرة ـ مكة المكرمة
تمثل كسوة الكعبة المشرفة رمزاً إسلامياً تاريخياً جليلاً، تحظى بعناية بالغة وفائقة من المملكة العربية السعودية ممثلة في “الهيئة العامة للعناية بشؤون الحرمين”.

إن حياكة وصناعة الثوب المقدس ليست مجرد عملية إنتاجية، بل رحلة عام كامل من الإتقان والقداسة، وتكامل متقن بين عراقة الحرفة اليدوية وأحدث التقنيات الصناعية، لتخرج الكسوة في أبهى حلة تليق ببيت الله الحرام غرة محرم من كل عام هجري جديد.
أولاً: أرقام تتحدث وأياد حرفية تتقن فتبهر

تخضع صناعة كسوة الكعبة المشرفة لمنظومة عمل زمنية وبشرية دقيقة، تضمن خروج العمل دون أي هامش للخطأ، وتتلخص أبرز ملامح الرحلة في المؤشرات الرقمية التالية:
- المدة الزمنية للإنتاج: تستغرق مدة صناعة الكسوة الواحدة من 10 إلى 11 شهراً من العمل المتواصل والدؤوب .
- موعد تغيير الكسوة: تتشرف الكعبة المشرفة بكسوتها الجديدة غرة شهر محرم من كل عام هجري، إيذاناً ببداية العام الجديد.
- هيكلية التركيب: تتكون الكسوة عند تركيبها من طبقتين متكاملتين: حرير أسود خارجي مطرز، وبطانية داخلية من القطن السكري لتعزيز المتانة.
- كثافة النسيج: تتميز بدقة حياكة متناهية؛ حيث تبلغ كثافة النسيج 9,986 خيطاً في كل متر واحد من الكسوة المنقوشة، مما يعكس دقة الحياكة المذهلة وجودة النسيج العالية.
- الآيات القرآنية المكتوبة: تتزين الكسوة بـ 30 آية قرآنية كريمة، تُخط وتحاك بخط الثلث الجلي البديع، وتُطرز يدوياً بخيوط الذهب الخالص والفضة.
- تثبيت الكسوة: يتم استخدام 100 حبل متين ومخصص لإحكام تثبيت الكسوة وشدّها بدقة على جدران الكعبة المشرفة.
- الكفاءات الوطنية: يتشرف بحياكة الكعبة الشريفة أكثر من 150 حرفياً وفنياً سعودياً من الكفاءات الوطنية المؤهلة، يسهمون بخبراتهم العميقة في مختلف مراحل صناعة الكسوة.
ثانياً: خامات كسوة الكعبة المشرفة (مكونات الثوب الأغلى تاريخياً)
تُنتقى المواد الأولية لكسوة الكعبة بعناية فائقة من أجود المناشئ العالمية، وتتكامل الخامات لتصنع المزيج الفريد للثوب، وتتوزع المقادير المستخدمة على النحو التالي:
- الحرير الأسود (47 طاقة): يُستخدم في صناعة الثوب الخارجي الأساسي للكسوة وتغطي كامل مساحة الكعبة المشرفة.
- الحرير الطبيعي (825 كيلوغراماً): يمثل المادة الخام الأساسية والجوهرية التي تُنسج منها الكسوة الشريفة.
- الفضة المطلية بالذهب (120 كيلوغراماً): خيوط من الفضة الملبسة بالذهب الخالص، تُستخدم خصيصاً في تطريز الآيات القرآنية والزخارف البارزة.
- الفضة الخالصة (60 كيلوغراماً): تدخل في أعمال التطريز الدقيق والتزيين الدقيق للحروف والزخارف الإسلامية.
- القطن الخام (400 كيلوغرام): يُستخدم بشكل أساسي في البطانة الداخلية للكسوة لزيادة متانتها، وكحشو تحت المطرزات لإبراز الآيات القرآنية.
ثالثاً: التنوع النسيجي (سبعة أقمشة تصنع أعظم كسوة في العالم)
ليست الكسوة قماشاً واحداً مصمتاً، بل يتداخل في تركيبها سبعة أنواع مختلفة ومتمايزة من الأقمشة، يؤدي كل منها وظيفة محددة وبنيوية في بناء الكسوة وتفاصيلها الهندسية:
- الحرير الأخضر: يُستخدم خلف ستارة باب الكعبة المشرفة.
- القطن السكري: يشكل البطانة الداخلية للثوب ويمنحه مزيداً من المتانة والقوة.
- الحرير الأسود : القماش الرئيسي الأساسي الذي يُشكل المظهر الخارجي للكسوة.
- الحرير الأسود المنقوش: تُنسج عليه الزخارف والكتابات القرآنية الدقيقة التي تميز ثوب الكعبة.
- الحرير الأحمر السادة: يُستخدم في بعض الزخارف والأعمال الخاصة والتفاصيل المحددة.
- القطن الأبيض: يُستعمل كبطانة إضافية لدعم أجزاء وفروع الكسوة المختلفة وحماية نسيجها.
- الحرير الأخضر المنقوش: يُستخدم في الكسوة الداخلية للكعبة المشرفة، وكذلك في كسوة الحجرة النبوية الشريفة.
أبرزت الهيئة العامة للعناية بشؤون الحرمين تفاصيل دقيقة ومبهرة لكواليس استبدال كسوة الكعبة المشرفة، التي تعكس حجم الجهود والكفاءات الوطنية المبذولة.
تمثلت أهم الأرقام في:
ـ الكفاءات الوطنية: يعتمد مجمع الملك عبد العزيز لكسوة الكعبة المشرفة على كفاءات سعودية مؤهلة بنسبة 100%، حيث يشارك في عملية التصنيع والتركيب أكثر من 150 صانعاً وفنياً مؤهلاً.
ـالزمن القياسي للتركيب: تستغرق عملية إنزال الكسوة القديمة واستبدالها بالثوب الجديد وقتاً قياسياً دقيقاً، حيث لا تقل مدة التركيب عن 360 دقيقة (أي ما يعادل 6 ساعات متواصلة) من العمل الاحترافي الموزع على عدة مراحل.
ـ تأتي هذه الجهود لضمان ظهور الكعبة المشرفة بأبهى حلة لها، باستخدام أحدث التقنيات وأجود خامات الحرير والذهب والفضة.
الثوب المهيب الذي يلتف حول البيت العتيق يختزل خلفه جهوداً مخلصة وعمليات تشغيلية تستمر على مدار العام، لتتجلى في النهاية روعة الحرفة اليدوية السعودية بأبهى صور الإتقان والتعظيم للكعبة المشرفة.
تُعد سدانة بيت الله الحرام من أقدم المهن والوظائف المتوارثة في التاريخ الإسلامي، تعني العناية بالمسجد الحرام والقيام بشؤونه من فتح باب الكعبة المشرفة وإغلاقه، وتنظيفها، وغسلها، والعناية بكسوتها، واستقبال زوارها.
إليك التفاصيل التاريخية والنظامية حول السدنة الذين يتولون الإشراف على الكعبة المشرفة:
آل شيبة: سدنة الكعبة المشرفة
الامتداد التاريخي: يتولى السدانة تاريخياً وحصرياً بنو شيبة (أو آل شيبة)، وهم من ذرية عثمان بن طلحة رضي الله عنه.
الأصل الشرعي: تعود هذه الخصوصية إلى يوم فتح مكة، عندما ردّ الرسول ﷺ مفتاح الكعبة إلى عثمان بن طلحة وأخيه شيبة، وقال كلمته الشهيرة المأثورة: «خذوها يا بني أبي طلحة خالدة تالدة، لا ينزعها منكم إلا ظالم». ومنذ ذلك اليوم، يتوارث آل شيبة المفتاح والسدانة كابراً عن كابر.
مراسم تسليم كسوة الكعبة المشرفة
تتم إدارة شؤون الكسوة عبر تكامل فريد بين القيادة السياسية وسدنة البيت على النحو التالي:
ـ مراسم التسليم السنوية: نيابة عن خادم الحرمين الشريفين، يقوم مسؤول رسمي (مثل أمير منطقة مكة المكرمة أو نائب الصالح العام لشؤون الحرمين) بتسليم الكسوة الجديدة إلى كبير سدنة بيت الله الحرام ( أكبر أفراد عائلة آل شيبة سناً).
ـ مشاركة السدنة في التغيير: يشرف كبير السدنة وأفراد العائلة على عملية الاستبدال التي تتم غرة محرم من كل عام، حيث يتابعون خطوات إنزال الكسوة القديمة وتثبيت الثوب الجديد لضمان الحفاظ على البروتوكولات التاريخية المتوارثة للبيت العتيق.






تعليقات الزوار ( 0 )