عبد الإله الجوهري ـ الدار البيضاء ـ المملكة المغربية
موجة النقاش الدائر حول مسلسل “معاوية”، ومحاولة البحث عن التطابقات التاريخية، كما وردت في المرويات وكتب التاريخ، في أحداث المسلسل، تؤكد بالملموس أن ثقافة الصورة في مجتمعاتنا العربية جد غائبة، والتفريق بين المتخيل الروائي و”الواقع” التاريخي غير موجود تماما، الشيء الذي يعني أن هناك سيادة رهيبة لقيم الخلط، والبحث عن وقائع تاريخية غير متفق عليها أصلا، وسط وسيط إبداعي مختلف، وسيط سمعي بصري له خصوصياته لا تلزمه أن يكون وفيا لما قرأنا وعرفنا وتمثلنا منذ نعومة أظافرنا في المدرسة والجامعة وأمهات الكتب التاريخية، العمل الدرامي، والسمعي البصري عامة، يجب أن يكون مخلصا لخصائصه الخاصة، المختلفة والمتمثلة في الوفاء للجوانب التقنية والفنية والفكرية والحمولة الجمالية، البعيدة عن التسييس الفج الغارق حد الأذنين في شعارات تروم تكريس ما تم حشوه في الأذهان لسنوات طويلة، ومحاولة جعله حقيقة مطلقة لا تحتمل الكذب أو القراءة أو التأويل.
صناع المسلسل كانوا يعرفون أنهم سيخلقون الجدل وسيحققون نسب عالية من المشاهدة، لهذا استثمروا في إنتاجه مائة مليون دولار، واستطاعوا خلق الكثير من البوليميك حوله، الدعايات والنقاشات الشعبوية، التي نجحت في أن تجعل منه اليوم قطب رحى أغلب القراءات والتعليقات وتدوينات السب والشتم، والمقارنات التي لا تصمد فنيا ولا نقديا. كما أنهم إستطاعوا استفزاز الآخر (الشيعة وكارهي التاريخ الأموي وشخصياته التي كانت سببا في إخضاع مناطق كثيرة للإسلام، منها منطقتنا المغاربية، حد ترويج خبر إنتاج مسلسل ضخم عن أبي لؤلؤة قاتل عمر بن الخطاب ومحاولة الرد وخلق أسطورة حول شجاعته. وغير ذلك من الترهات التي تعكس وتؤكد أن وجداننا العربي خاصة، والإسلامي عامة، غارق في إنفعالية لحظية، لا تمنح الوقت لأي فعل أن يأخذ حقه في استعراض تصوره وحججه الخاصة قبل الحكم عليه بكل تجرد، وفق أحكام القانون والشرع النقدي أولا وأخيرا، نعم، أقول: النقدي ولا غير النقدي، وأن نتوقف عن دعم سيادة مطلب المنع إذا لم يكن أي عمل تلفزيوني، أو سينمائي، بالضرورة، موافقا لرؤية كل واحد منا على حدة أو مطابقا لما ألفنا سماعه، وموافقا تماما لتاريخ اكتسبناه، دون تمحيص أو مراجعة، وإلا حكمنا عليه بالفشل، وكونه يشوه تاريخنا بشكل متعمد، ويستهدف وحدتنا وقناعاتنا الإسلامية، وهلم جرا من أحكام لا تصدر عن نقاد وباحثين متخصصين عارفين بخصوصيات الدراما التلفزية والأفلام السينمائية، وإنما عن عامة الناس بكثير من الوثوقية والمعرفة الناقصة، وفي كثير من الأوقات ينجر معهم أناس لهم رصيد ثقافي ومعرفي جد محترم، من باب النداهة – بالتعبير المصري- التي تسلبهم إرادة التريث قبل إصدار الأحكام والوقوع في المحظور.
كلامي أعلاه ليس مصادرة حق أحد في حرية التعبير والإفصاح عن وجهة نظره ايجابا أو سلبا، ولكن فقط تنبيه إلى أن السمعي البصري له خصوصيات إبداعية مختلفة تجعل منه عالما لا يخضع إلا لمنطق التخييل، له نقاده الذين يستطيعون الإمساك بتلابيبه وقراءته بوعي نقدي خلاق، وتقديم تصورات عن مدى نجاح أو فشل عمل ما بشكل معرفي مقنع.
الناقد، والباحث الأكاديمي، وحده من يعي خصوصيات هذا الوسيط الإبداعي ويعلم جيدا أن التاريخ كما “حدث” يوجد في بطون الكتب التاريخية والمراجع المعتمدة، وليس في الأعمال الأدبية أو السمعية البصرية لأنها وكما نعرف جميعا تعتمد على التخييل قبل كل شيء، ومن يريد معرفة تاريخ ما، أو قراءة سيرة شخصية من الشخصيات، ما عليه إلا اقتناء المراجع والمصادر التي تغني ذائقته العلمية وتلبي رغباته المعرفية.وبالتالي التاريخ تاريخ والدراما دراما رغم ما قد تتوفر من تقاطعات بينهما.
المسلسلات والسلسلات والأفلام السينمائية الروائية ليست كتبا تاريخية، بل أنواعا إبداعية فنية مختلفة، رهانها تحقيق الفرجة بخلق أجواء متعالية عن الواقع والتاريخ، تستند، خاصة الأعمال التاريخية، على الفانتازيا والمبالغات والإبهار البصري، وتحسين صورة شخصية ما أو تقبيحها، وتزييف الوقائع أو تأكيدها وفق الخط التحريري المتحكم في الإنتاج. فالمخرج، طبعا رفقة السيناريست ورغبة المنتج، هو من يمنح كل حدث، أو وقيعة، معنى معين، وإلا رفضنا مشاهدة العشرات من الأعمال العالمية التي صورت وفق رغبات محددة هنا أو هناك على الرغم من أننا نعلم أنها مزيفة وكاذبة.
المشهدين السمعي البصري والسينما عالميا، يا سادة، يتحكم فيهما بكل قوة من يهيمن على الوسائل المادية للإنتاج، ويمتلك القدرة على الإبداع. هؤلاء، وكما نعلم جميعا، هم من أعادوا صياغة التاريخ الإنساني وفق رؤى ومصالح خاصة بهم، فالهندي الأحمر، في التلفزيونات والشاشات السينمائية، متوحش لم تكن له يوما ما حضارة (المايا والأزتيك). والفلسطيني مجرد إرهابي وليس مقاوم يدافع عن أرضه وحقه. والإفريقي متوحش وليس بشرا مختلفا بتاريخه وثقافته وعاداته وتقاليده، والأمريكي صاحب تقدم وحضارة (الحلم الأمريكي) وجب تقليده، على الرغم من أن تاريخه لا يتجاز الأربعة قرون أو أقل.
التاريخ والتراث والتقاليد والمعارف في علاقاتها بالصورة ليست بسيطة بل تجمعهم بها علاقات متوترة متشابكة، يمنحها المعنى من يتحكم في أسسها الفنية وإمكانياتها الصناعية ويحسن الإستثمار فيها.
لنقدم مثالا واضحا، غير مبتعدين عن الفضاء العربي، الكل يتفق على أن الدراما التلفزية والأعمال السينمائية المصرية، خلال سنوات ما قبل الألفية الجديدة، نجحت في كتابة تاريخ منطقتنا العربية، وذلك من موقع قوتها وحضورها الإنتاجي والإبداعي. بل نجحت في أن تجعل المتفرج العربي يتماهى مع كل ما هو مصري من عادات وتقاليد ومعارف ومعلومات، بل رسخت حقائق غير موجود على أرض الواقع، وأقنعتنا بالعديد من المواقف التي كنا نفتخر بها على الرغم من أنها كانت غير صائبة وقتها. ومع ذلك كان المتفرج العربي يتقبلها بكثير من المحبة والتقدير والإحترام للروح المصرية الغامرة.
في الحالة المغربية يحضرني مثال فيلم “المصير” ليوسف شاهين، الذي حاول فيه أن يعيد كتابة تاريخ محنة ابن رشد، وما تعرض له زمن الملك المغربي يعقوب المنصور الموحدي، حيث أعاد صياغة الوقائع التاريخية من خلال منطقه الخاص، حيث نقل كل الأحداث من مراكش المغربية إلى قرطبة الأندلسية، والأدهى من ذلك، لم يتم ذكر إسم المغرب بتاتا كفاعل في ما كان يجري بالعدوتين معا، وكأن الموحدين لا علاقة لهم ببلدهم المغرب الأقصى، وعاصمة ملكهم مراكش. وإمعانا في إغراق التاريخ في رؤيته الخاصة، جعل نهاية الشريط ينتصر لمصر وفرنسا باعتبارهما بلدا العلم والثقافة اللذان كان لهما الفضل في حماية التراث الفلسفي الرشدي، من خلال تهريب نسخا من كتبه، التي كانت مهددة بالحرق، إلى باريس والقاهرة. الفيلم تحوير للتاريخ وتمجيد لفرنسا باعتبارها بلدا مساهما في الإنتاج، و أيضا إعلاء لقيمة مصر لأن المخرج مصري. أما المغرب صاحب الاحداث والوقائع فلا وجود له.
عندما حضرت العرض الخاص، بمهرجان مراكش في دورته الأولى سنة 2001، فتح نقاش طويل بين النقاد المغاربة دون إحتجاج أو غضب على هذا التحوير والتزييف وإفراغ المرحلة، المتحدث عنها، من محتواها الحضاري، لأننا خلصنا أن الفن السينمائي يبقى فنا غير خاضع لمنطق التاريخ، وأن الإبداع لا حدود له، وأن كتابة التاريخ سينمائيا شيئ مختلف، وأن تصحيح المغالطات تتم عبر إعادة تصويرها وتصحيح ما تم تزييفه فيها بإبداعات معاكسة خلاقة، وليس عبر المنع أو التنديد أو الصراخ ومصادرة حق الآخر في الإبداع. لنخلص أننا كمغاربة يجب أن نعيد كتابة تاريخنا، وإلا سيكتبه الآخرون بدلا منا، وهو أمر حدث ويحدث في عشرات المسلسلات والأفلام الأجنبية التي صورتنا لسنوات وتصورنا اليوم كما يريد منتجوها، إلى حد أن التراث المغربي الغني يتعرض للسرقة والتزييف والتشويه، أمر لا يخصنا وحدنا بل يخص كل بلداننا العربية المنكوبة إعلاميا وإبداعيا.
خلاصة: مسلسل “معاوية”، ورغم خلفيات إنتاجه ومجانبته للحقيقة في بعض الوقائع وتقديم شخصيات بشكل قد لا ترضينا ولا تتوافق مع معلوماتنا، يبقى عملا يستحق أن نمنحه الحق في الوجود، وأن نحكم عليه من جهة الوفاء للفن والإبداع، لا من حيث مدى استجابته لتطلعاتنا الخاصة أو مقارنته بأعمال درامية أخرى لمبدعين من طينة حاتم علي أو نجدت أنزور وهيثم حقي. وأيضا وجب إنتظار عرض الحلقات التالية التي ستسمح لنا بتكوين وجهة نظر خاصة لكل واحد منا.
تعليقات الزوار ( 0 )