عبد الاله الجوهري
أعرفها منذ سنة 1993، بالضبط خلال فعاليات الجامعة الصيفية للأندية السينمائية التي انعقدت بتازة ذات صيف حارق، جاءت، وهي شابة آنذاك، تجر وراءها شهرة واسعة، بعد تقديمها لأول أدوارها التلفزية في مسلسل “بنت الفشوش”، دور متمرد بجرأته الفنية، وشجاعة ممثلته الصادمة. كانت وقتها تشكل استثناء إبداعيا في الوسط الفني المغربي عامة، مثلما شكلت استثناء بين الحضور السينمائي بعاصمة البرانس والتسول وغياتة، أي وسط جمع الفنانين الذين حضروا، حيث كان، آنذاك، كل واحد يريد أن يثبت وجوده في سياق الهبة الثقافية التلفزية والسينمائية ببلادنا، التي كانت معالمها بدأت تتشكل، نتيجة نجاحات بعض المسلسلات المغربية من مثل “وفاء”، بطولة النجمة فاطمة خير، وأفلام نذكر منها بالأساس: “حب في الدارالبيضاء” و”شاطئ الأطفال الضائعين” و” البحث عن زوج مراتي”، إضافة لهذا وذاك الإنتعاشة الفنية والثقافية، وبداية تأسيس إطارات مهنية وجمعيات كجمعية نقاد السينما ..
علاقتي بلطيفة أحرار، ستتوطد خلال العشرية الأولى من الألفية الثالثة، لا أتذكر بالضبط كيف أصبحنا أصدقاء جد مقربين، لكنني أتذكر أننا كنا نلتقي وقتها بشكل متواتر، ونحضر معا أنشطة سينمائية بمدن مغربية مختلفة، ونتبادل الزيارات الخاصة، وقتها كنت قد أصبحت حاضرا بقوة من خلال برنامج “عالم السينما” الذي كنت أعده لفائدة القناة الأولى، أما هي فقد واصلت حضورها المتوهج في المشهد الفني والثقافي، حضور جعل منها وجها قويا بموهبتها الخلاقة، وجرأتها اللافتة الصادمة. أصبحنا في وقت وجيز أكثر من أصدقاء، بل فاعلين في ما كان يجري آنذاك، مواجهين للمستجدات العامة بكثير من الحب والتقدير.
نجاحات أحرار كان ولابد من أن يخلق لها بعض المشاكل، مشاكل ناتجة عن غيرة البعض نظرا لمكانتها الإبداعية، لكنها كانت ولازالت تواجهها بكثير من الجرأة والإصرار على تحقيق ما كانت ولازالت تؤمن به.
لقد أشيع الكثير من الإشاعات والكلام اللامسؤول الصادر عن بعض النفوس المريضة والطاقات المثقوبة والأيادي المشلولة لأنصار الفشل وعصبة النفخ في رماد البقاء خارج دائرة الزمن، لكن ما لم يكن يعلمه هؤلاء أنها كانت أقوى مما كانوا يشيعون عنها، نعم، أقوى بإيمانها وثقافتها وسعة اطلاعها….
صحيح أن ثقافة لطيفة فرنسية بشكل واضح، بالنظر لحبها ودراستها للأدب الفرنسي بالجامعة، وأيضا متابعاتها لمستجدات الأدب والفن بفرنسا وحديثها في الغالب الأعم بالفرنسية، في نقاشاتها ومداخلاتها، عن كل ما هو ثقافي، أساسا منه الفني المسرحي.
كم كنت أستمتع بحديثها عن آخر الإصدارات الروائية والقصصية، والتجارب المسرحية والأفلام السينمائية، والفعاليات العالمية الكبرى، ومواكبتها لكل ما هو جديد وطنيا ودوليا.
ظروف ساهمت في أن نبتعد عن بعضنا البعض، لكن حبل الود والإحترام لم ينقطع يوما، ظلت كما كانت الصديقة الأقرب للروح، لأكتشف في ما بعد، أن لطيفة طورت من إمكانياتها الثقافية بشكل خلاق، ووسعت، بثقة في النفس، معارفها، منفتحة أكثر على الثقافة العربية، بل أصبحت على علاقة خلاقة مع ثقافتنا الوطنية، تعرف ما لا يعرفه الكثير من مدعي الإنتصار المتحذلق لكل ما هو مغربي، دون أن يظهر ذلك في سلوكهم ومواقفهم، هذا دون نسيان، بأي حال من الأحوال، عشقها و”تطرفها” للتراث الأمازيغي الأصيل باعتبارها أمازيغية حقيقية. الأكثر من ذلك، اكتشفت أنها قررت بكثير من العزم الفني والأكاديمي أن تكمل دراساتها العليا وتلتحق بكلية الآداب، جامعة عبد المالك السعدي بتطوان، من أجل دراسة الفن السابع، ومعه المعارف الثرية الفكرية والتقنية، أساساً منها الفيلم الوثائقي، حيث نجحت في الحصول على الماستر الخاص بهذا الجنس السينمائي المميز، وحصول شريط تخرجها على الكثير من الجوائز في المهرجانات الدولية المختلفة، وتقرر بعدها تسجيل مشروع أطروحة دكتوراه تحت إشراف الدكتور حميد العيدوني.
خلال مسارها الفني والعلمي، ظل حضورها جد متوهج لافت، كما كان دائما، على خشبات المسرح وشاشات التلفزيون. أما في السينما المغربية، فقد كان وجودها جد محترم بأدوار متميزة مع عشرات المخرجين المغاربة.
شخصيا كان لي شرف الإشتغال معها في الفيلم الروائي الطويل “هلا مدريد فيسكا بارصا”، وأكتشف عن قرب حرفيتها وقوة تشخيصها، وهي تؤدي دورا مفارقا للواقع، دور الزوهرة الملقبة ب “النينجا”، الفتاة المنقبة المتمردة على الأعراف والتقاليد المتخلفة.
تجارب وثقافة وحضور لأكثر من ثلاثة عقود، جعل منها أيقونة فنية وثقافية حقيقية، فلا عجب أن استطاعت الحصول على منصب مديرة للمعهد العالي للفن المسرحي والتنشيط الثقافي بالرباط، بعد اجتيازها مبارة الترشح وفوزها عن جدارة واستحقاق، بل ونجاحها لحد الساعة في تسيير دفة هذه المؤسسة بكثير من الاقتدار -أكثر من ثلاث سنوات لحد الساعة-.
آخر مغامراتي معها كانت بمهرجان تيرانغا السينمائي بدكار، حيث كانت عضو لجنة تحكيم الدورة، اكتشفت مرة أخرى حبها للمغرب ودفاعها المستميت عن تراثه وسينماه. عشنا أياما جميلة من المشاهدات الفيلمية والتجول بين دروب وأزقة مدينة، كانت ولازالت، منذورة للكرم وحب المغاربة. لمست فيها العمق الإنساني والعاطفة الغامرة بحب البشر، والقدرة على تصريف الإحساس الرهيف المؤسس على نضج ثقافي وفكري .
اليوم يتم تشريفها بمنصب جديد، عضو بمجلس إدارة وكالة تقييم وضمان جودة التعليم العالي، تعيين أثير حوله، من طرف بعض من لا يعرف هذه الفنانة المتمردة، الكثير من النقع والقيل والقال ونشر الأكاذيب، إما جهلا أو خبثا وحسدا، لكن لطيفة كما أعرفها مقاتلة حقيقية واثقة من نفسها وثقافتها وأحقيتها لأي منصب يسند لها. وأنا، بدوري، واثق أنها ما كانت لتقبل منصبا لا تستحقه، كما فعل ويفعل بعض لصوص المناصب والسيناريوهات الذين لا يخجلون من لصوصيتهم.
تدبيج هذه التدوينة في حق لطيفة يأتي إنصافا لها وتأكيدا على أحقيتها، وردا على من لا يقيم للطاقات الفنية النسائية وزنا، أو لا يحترم سيدة أصيلة رائعة، سواء اتفقنا حول خطها التحريري الفني والثقافي، أم لم نتفق، هي التي لم تأتي هكذا وتدخل عير الأبواب الخلفية، كما فعل البعض، كما أنها لم تتوسل بوساطات معينة، بل جاءت عبر مسارها الفني والثقافي، وقبل هذا وذاك، عبر شواهدها العلمية التي تخول لها أن تسند لها مناصب معينة بشكل قانوني واضح.
على سبيل الختم:
لا أعرف كيف تقام الدنيا ولا تقعد حول إسناد منصب مستحق للطيفة أحرار، بالنظر لشواهدها العلمية وحضورها الوازن المتواصل، ولا يتم إثارة نفس اللغط والكشف عن بعض المناصب المسنودة لأناس لا علاقة لهم بالتعليم ضدا على منطوق الدستور؟؟..
هل لأنها فقط امرأة، أم لأنها أكثر جرأة ومصداقية في التعبير عن مواقفها بكل شجاعة، حيث لا مجال للمهادنة أو بيع الوهم لتجار قلة الفهم؟؟..
تعليقات الزوار ( 0 )