المفتاحي عبد السلام ـ القاهرة
ذهبت لسينما الزمالك لمشاهدة فيلم “راضية”للمخرجة المغربية الشابة خولة اسباب بنعمر، معتبرا إن واجب المناصرة خارج الديار يقتضي ذلك، لكني وجدت الفيلم المغربي الوحيد المشارك ضمن مسابقة أسبوع النقاد و يتسابق مع كوكبة مميزة من الأفلام القوية، وجدته على قدر كبير من الإتقان فكرة وإخراجا وتصويرا، مع تبني طريقة في رواية القصة سهلة ممتنعة، تراوح بين السرد المباشر المنساب واسترجاعات أملاها السياق؛ من حيث استعادة أزمنة بكل مافيها من براءة وحلاوة عيش، ما كانت تعرف بطلة الفيلم راضية أن الزمن سيعبث بها ويفتت أحلامها على صخرة واقع أليم وقاس.
يزيد من قساوته هذا الضغط الذي تشكله آلة الزمن الحاضرة بمختلف تجلياتها، وتعبيراتها درجة الاختناق والطغيان .
وقمة هذه القساوة سنشعر بها منذ البداية مع مشهد متفرد لدمية البارسولين وهي تنزف دمعا .
تشتغل المخرجة على موضوع قريب منها، قصة لمسار امرأة للتحرر من أغلالها المستعصية، مسار أشبه بالمتاهة، وهي تفعل ذلك من غير خطابة نسوية تحريضية، بل باستعارات ومجازات وصور تحيل على أزمنة غابرة وحاضرة من الغلب والسخرة والزواج والمخاض والولادةوالبحث المؤرق عن متنفس .
لذلك ليس مستغربا أن يبدأ الفيلم بمشهد تلك الشريحة من اللحم فوق المقلاة تطبخ و تقلبها يد “ما “ذات اليمين وذات الشمال، والمشهد يلخص الموضوع، الذي هو شقاء المرأة كقدر محتوم، ولمن لا يدرك حجم هذا الشقاء، ستفصل المخرجة مشاهد يومية روتينية من شأنها أن تبلد روح راضية وحواسها.
هناك على طول الفيلم حقيبة مركونة في وسط البيت، كناية على الرغبة في السفر والانطلاق وتنفس الهواء، راضية لا ترغب أن تبقى مجرد قطعة لحم منذورة للافتراس .
كأن خولة وهي تتناول وضعية امرأة في عصرنا الحالي، تستحضر مقولة الفيلسوف ابن رشد حينما يورد أسباب تردى وضع المرأة فى الأندلس فى زمنه بالقول : «إنما زالت كفاية النساء فى هذه المدن لأنهن اتُّخذن للنسل دون غيره وللقيام بأزواجهن وكذا للإنجاب والرضاعة والتربية، فكان ذلك مبطلًا لأفعالهن الأخرى».
هناك بحث مضني ومتواصل في الفيلم من خلال الجدل وإثارة السؤال بين شخصيتي راضية وعايشة- وهما بالمناسبة -روحان حلاّ بدنا .او هما بالأحرى مقامان يتراوحان بين الاستسلام والتمرد بين الرضا والنفور .
والفيلم كما قلت هو بحث متواصل عن هذا الفعل الآخر، أو الأفعال الأخرى التي من شأنها أن تخرج الكائن من قيوده والنفس من سجنها، ثم ما الأفعال الأخرى ؟
هل تبوح لكي ترتاح؟هل اللجوء للوشم عنوانا لسيادتها على نفسها وتملكها لجسدها تحفر فيه ما تشاء؟ هل السفر إلى أزمنة الطفولة بلهوها وأغانيها وأناشيدها الطفولية البريئة لاستعادة هناء العيش؟هل لبس الخوذة والانطلاق عبر الدراجة النارية نحو أفق جديد وهواء نقي لسيدة أعطت الحياة ولكن لم تعشها كما تقول في الفيلم ؟
فيلم راضية بلا مساحيق، صوّر بالأبيض والأسود ، به رتابة غير منفرة ،ولمسة تجريبية وشذرات وتشظيات وانحيازات عن السرد الكلاسيكي، تتطلب من المشاهد الحصيف أن يستوعب الإشارات والتضمينات الثاوية وراء الصور والمشاهد .
فيلم جميل في قساوته وعدم محاباته وركوبه مخاطر التجريب والمغامرة، لذلك لم يكن مستغربا أن تشيد بالفيلم روز اليوسف، وتقدمه ضمن العشرة أفلام التي لا يمكن تجاوزها في مهرجان القاهرة السينمائي الدولي لهذا العام .
تعليقات الزوار ( 0 )