المهرجان المغاربي للفيلم بوجدة: احتفاء بالسينما المغاربية - مجلة زهرة
مساحة اعلانية

المهرجان المغاربي للفيلم بوجدة: احتفاء بالسينما المغاربية

كتبه كتب في 19 أكتوبر 2022 - 6:37 م
مساحة اعلانية
ذ.وسيم القربي – تونس
عادة لا تهدف الكتابة إلى المجاملة أو خدمة الديبلوماسية الثقافيّة، بل إنّها تنبع من حقيقة الوقائع وعمق الإحساس. وبالرّغم من الغياب فإنّ مجرّد ذكر المهرجان المغاربي للفيلم بوجدة يجعلني على اتصال دائم ومتابعة حثيثة للاحتفاء السنوي بالسينما المغاربيّة وهي عادة زادت من ترسيخ صورة هذه المدينة المغربيّة كرمز لوحدة المغرب الكبير والمشترك الحضاري والثقافي الذي يجمعنا. لقد زرت مدينة وجدة مرّات ومرّات حيث أعتبر هذا المهرجان من أهمّ المهرجانات من حيث تطوّره الملموس وصدق المشرفين عليه وعمق رسالته بحيث تكون السينما فرصة للتقارب على أمل فتح الحدود… تابعت مؤخّرا فعاليّات هذا المهرجان السينمائي المغاربي فكان لا بدّ أن أستحضر ذكريات زمن جميل منطبع بهويّة الأنا والنّحن.
منذ سنة 2013، تواتر حضوري لمدينة وجدة عاصمة جهة الشرق، مدينة هادئة ممتدّة تتميّز بحركيّة ساكنتها وتفانيهم في العمل. ولعلّ أكثر ما يميّز هذه المدينة هو طيبة أهاليها، ففي وجدة لا يتردّد من يتعرّف عليك أن يدعوك مباشرة إلى بيته ويفتح باب الضيافة على مصراعيه وهي في الحقيقة عادة تشمل المغرب ككلّ. وكان لا بدّ أن أتعرّف خلال مجمل زياراتي على العادات والطقوس الاجتماعيّة “للوجادة” وعلى الأكلات المميّزة كالحريرة والكسكسي والزميطه والبسطيلة والبكبوكة والمقروط… وهي أكلات يختلف مذاقها في هذه المنطقة عن بقيّة الجهات المغربيّة. من يزور هذه المدينة لا بدّ له من زيارة المدينة العتيقة وأسوارها الشامخة بين منازل تمتاز بالمعاصرة وأخرى لا تزال تحافظ على عبق تاريخها، عبورا بالأسواق ومجموعة من أبواب المدينة مثل باب الغربي وباب سيدي عبد الوهاب ودار السبتي وزاوية مولاي عبد القادر الجيلاني وكنيسة سان لويس…
عندما يحلّ المساء، يتوجّه العديد من الساكنة إلى ساحة 16 غشت للجلوس والمسامرة في شارع حيوي: شارع محمد الخامس. هناك، تعرضك النساء بلباس القفطان المميّز للجهة الشرقيّة، تكثر الحفلات في مدينة البهجة لكنّ أبرز ما يميّز أهلها هو تميّزهم بالمحافظة على التقاليد والأصول. ليلا، تعمّ المدينة موسيقى الراي الصاخبة وهي المدينة التي أنجبت جملة من الفنانين المتميّزين من قبل كمال وميمون الوجدي، الإخوة بوشناق، يونس ميكري، الدوزي، كمال كمال وغيرهم ممّن لم تتح لي الفرصة لمقابلتهم. بالإضافة إلى موسيقى الراي التي تعيد الرّوح وتحيي النفوس يلتجئ آخرون إلى الحفلات الهادئة للاستماع إلى الفنّ الغرناطي الذي يعكس عمق التأثيرات الثقافية التي شهدتها المدينة من قبل القادمين من الأندلس. ولا بدّ من الإشارة إلى أنّ مدينة وجدة ينحدر أغلب سكانها من الأمازيغ بالإضافة إلى قلّة من العرب وبعض الأصول العرقيّة الأخرى، لكنّ ما يميّز لهجة أهل المدينة هو ذلك المشترك مع الجهة الغربيّة للجزائر في مناطق مثل تلمسان ومغنيّة، وهذه اللكنة التي يتميّز بها “الوجادة” في نطق مصطلحات مثل “واه” و”صافي” وغيرها من الكلمات التي بقيت راسخة في مخيّلتي.
ولعلّ ما يميّز مهرجان وجدة السينمائي أنّ منظّميه لا يقتصرون على استضافة الوافدين على السينما فحسب، بل كذلك التعريف بمدينتهم وثقافتهم المحليّة والمدن المجاورة أيضا مثل “أحفير” و”بركان” و”السعيدية”. من جهتي لم أفوّت الفرصة لزيارة معبر “زوج بغال” المغلق رفقة صديقي الأستاذ الجامعي فريد بوجيدة ذات يوم، وهي صورة ستبقى موشومة في ذهني باعتبار أنّ صورة المعبر المقفر والذي يحرسه “الدرك” بالإضافة إلى مدخل السعيديّة التي تلتقي فيه العائلات الجزائرية بالعائلات المغربية ويفصلهم في هذا اللقاء وادي “أغبال” هو عبارة عن الحدود المغربية الجزائرية ليتردّد صدى العائلات المتصاهرة من الجهتين ودوي عبارات الاشتياق.
بدعم من ثلة من الشغوفين بالسينما ومجموعة من المؤسسات الرسمية والمستشهرين المؤمنين بدور الثقافة في الرّقي بالمجتمع، انعقدت الدورة الحادية عشر للمهرجان المغاربي للفيلم بوجدة بمسرح محمد السادس بمدينة وجدة في الفترة الفاصلة بين 07 و12 أكتوبر 2022 تحت شعار “الصورة والخيال في السينما”. عادت هذه الدورة حضوريّا بعد أن كانت طيلة فترة الجائحة بصيغة افتراضيّة، وهي الدورة التي اعتبرها مدير المهرجان السيّد خالد سلي في تصريحه لـ “الشارع المغاربي” بأنّها “بمثابة عودة الرّوح باعتبار أنّ هذا المهرجان أصبح حدثا سنويّا مهمّا تنتظره ساكنة وجدة وعشّاق السينما بفارغ الصبر”. هي إذن دورة التحدي التي ستجعل الدورة المقبلة دورة أكبر من سابقاتها وهو ما أعلنه مدير المهرجان في كلمته في حفل الاختتام حيث شرعت اللجنة المنظمة مباشرة في التحضير لدورة 2023 وهو ما يبرز حرفيّة الفريق الذي يسهر على تنظيم هذه الفعاليّة.
في مسابقة الأفلام الطويلة، تكوّنت لجنة التحكيم من المخرج البوركينابي “أدريوما صوما” بصفته رئيسا وكلّ من المخرجة المغربية فاطمة بوبكدي والأستاذ الجامعي الموريتاني أحمد مولود الهلال والمخرج الجزائري بشير درايس والناشطة التونسية فاطمة الشريف. وقد حاز الفيلم الجزائري “جنّية” للمخرج عبد الكريم بهلول على الجائزة الكبرى في ما آلت جائزة الإخراج لمحمد علي النهدي من تونس عن فيلمه “معز الطريق الأسود” أمّا جائزة السيناريو فقد كانت من نصيب الفيلم المغربي “الطابع” لرشيد الوالي.
في مسابقة الفيلم القصير ارتأت لجنة التحكيم أن تسند ثلاثة تنويهات للفيلم التونسي “رماد” لمهدي عجرود وفيلم “جسر” للجزائري بوكاف محمد الطاهر شوقي والفيلم المغربي الهولندي “البرقع” لوحيد السنوجي، أمّا جائزة السيناريو فقد حاز عليها سمير الحرباوي من تونس عن فيلمه “لنتريت” في حين آلت جلّ الجوائز إلى المغرب حيث أسندت جائزة لجنة التحكيم الخاصة لفيلم “الشيفورة” لمهدي عيوش وجائزة الإخراج لفيلم “حبال المودّة” لوجدان خالد والجائزة الكبرى للفيلم القصير “في الطريق” لمنير عبّار. وتجدر الإشارة أنّ لجنة التحكيم ترأسها الناقد السينمائي التونسي كمال بن ونّاس وضمّت في عضويّتها كل من “زينة ديوب” من السينغال والممثلة سلوى زرهان من المغرب.
وقد شهدت أيّام المهرجان مجموعة من الندوات التي شارك فيها مجموعة من المهنيين والفنانين في قطاع السينما بالإضافة إلى درس افتتاحي قدّمه المفكر والباحث نور الدين آفاية حول “الخيال السينمائي وأسئلة الفكر”، كما تمّ تنظيم مجموعة من الورشات التدريبيّة التي حضرها عدد كبير من شباب المدينة والمناطق المجاورة، في حين شهدت العروض انفتاحا على مجموعة من الأفلام الإفريقية خارج المسابقة بصيغة الانفتاح على تجارب أخرى.
دورة احتفت بالسينما السينغالية أيضا من خلال استضافة المخرج موسى توري وزينة ديوب وتكريمهما، بالإضافة إلى تكريمات كانت بمثابة لحظة رسّخت ثقافة الاعتراف وشملت حميد الزوغي وسامح الدرويش وفضيلة بن موسى من المغرب والممثلة مليكة بلباي من الجزائر، وقد حضر المهرجان جملة من الفنانين من المغرب من بينهم محمد خيي وحسن بن جلون وعبد الإله الجوهري وعبد الله فركوس ومدحت العدل من مصر كضيف شرف هذه الدورة.
لقد ثبّت المهرجان المغاربي للفيلم بوجدة دوره المحوري في الرقيّ بالفعل الإبداعي ودوره في تقريب السينما للجمهور الوجدي بحيث أصبح لهذه المدينة حدث سينمائي حقيقي يحقّ لنا أن نطلق عليه مفخرة الجهة لترتسم مدينة وجدة كرمز حقيقي للوحدة المغاربيّة والاحتفاء بالمغرب الكبير بفضل مجهودات أعضاء جمعيّة “سيني مغرب” والذين سهروا على تأمين هذا الحدث والمحافظة على سيرورته ونذكر منهم على وجه الخصوص كلّ من المخرج خالد سلي ومحمد قريش وميلود بوعمامة ومراد الفكيكي وعبد الغني أملاح.
لا زلت أذكر منذ سنوات مضت حين صعدت على ركح مهرجان وجدة للفيلم المغاربي حاملا جواز سفري آملا في العودة إلى وجدة عبر الطريق البريّة دون الحاجة لإبراز أوراق الهويّة، غير أنّ السنوات مضت دون أن تتحقق تلك الكلمات الحماسيّة. لقد جمعتنا السينما ولم تفرّقنا السياسة، بل إنّ إصرار المثقّفين زاد من أجل السعي والتعبير عن رغبة الشعوب في التحقيق الفعلي للوحدة، وهي طموح الإنسان المغاربي الذي ترتبط جذوره العرقيّة والحضاريّة في عمق مغاربي لن نرضى دون تحقيقه. فمنذ سنوات تعدّدت زياراتي المتتالية إلى ليبيا والجزائر وموريتانيا وعشرات المرّات إلى المغرب، وكلّما زرت هذه الجغرافيا إلا وتعمّق الشعور بأنّ هذه الجغرافيا وطقوسها الاجتماعيّة لا يختلف عمّا نعيشه في تونس وبالتالي فإنّ هذا الشعور نابع من عمق الإحساس الإنساني خاصّة وأنّ حجم صداقاتي بهذه البلدان لا يقلّ عن عدد صداقاتي بتونس وهو ما يجعلني بين عائلتي أينما حللت. وتعريجا على هذه المسألة، فقد لاحظت خلال سحابة صيف عابرة بين تونس والمغرب مؤخّرا أنّ البعض يناصر هذا والآخر يناصر ذاك دون أدنى معرفة بالجغرافيا ولا بالتاريخ. وقد أجد هذه المناسبة فرصة للإصداح بأنّنا كمثقّفين لا ننتهج سياسة السياسيين، بل نحن نؤمن بوحدتنا ولا نتحمّل ما يريده السياسيون لأنّ للسياسة نواميسها وثقافتها الخاصّة، أمّا الأفراد فإنّهم لا يتحمّلون سياسات لا ناقة لهم فيها ولا جمل، وبالتالي فإنّ مدينة وجدة تذكّرنا بأنّ الرئيس الجزائري الراحل عبد العزيز بوتفليقة ولد لمن لا يعلم في مدينة وجدة المغربيّة. وإذا كانت الحدود الجزائرية المغربية مغلقة منذ 1994، فإنّه ما علينا إلا أن نذكّر أنّنا شعب مغاربي واحد حيث كانت لي زيارات سابقة مع الإخوة الجزائريين إلى مغنية وسيدي مجاهد وجبالة ووجدة وبني درار وأحفير والسعيدية وغيرها، وبالتالي فإنّ الدور الحقيقي للسينما هو تقريب الشعوب عن طريق الفنّ ولا شكّ أنّ الدورة الأخيرة في المهرجان المغاربي التي شهدت حضورا تونسيا وجزائريا لافتا كانت المغرب أرض اللقاء والكرم.
إنّ الحدود الحقيقيّة هي حدود وهميّة في عقولنا، فأنا المواطن التونسي الجزائري المغربي الموريتاني الليبي، وهو ما يعني أنّ هويّتي الحقيقيّة هي الإيمان بجذوري المغاربية، وأختم بالقول بدرس لقّنني إيّاه والدي الحبيب أستاذ التاريخ والجغرافيا: “التاريخ كتبه المنتصرون، والجغرافيا رسمها المستعمر”.

تعليقات الزوار ( 0 )

اترك تعليقاً