ميلود بوعمامة-وجدة
لا يختلف إثنان في الدور الذي يلعبه المراسل الصحفي في البحث ونقل الأخبار والمعلومات، والتحقق من مصداقيتها، خدمة للقارئ والمستمع والمشاهد على حد سواء. لكن وضع المراسل الصحفي في المنظومة الصحفية والإعلامية ببلادنا، يعد الحلقة الأضعف، بحكم غياب ترسانة قانونية ومؤسساتية تحميه وتحمي عمله الجبار والمضني على طول الأسبوع دون كلل ولا ملل، وحتى بعض المقاولات الصحفية أو الشركات الإعلامية تتغاضى على حقوق وواجبات المراسلين الصحفيين، من خلال العديد من الممارسات التي لا تخدم بتاتا منظومة الإعلام في كل تجلياتها.
المراسل الصحافي في مدونة الصحافة والنشر في المغرب
إذ مصطلح (المراسل الصحفي ) مغيب اصطلاحا وقانونيا في إطار القوانين المنظمة لمهنة الصحافة والنشر وحماية الصحافيين، إذ لا نجد بندا واحدا يخصه، من حيث الحقوق والواجبات قانونيا، فالمجلس الوطني للصحافة (المجمدة هياكله حاليا )، لا يعترف بالمراسل الصحفي المعتمد من طرف الجرائد الإلكترونية والورقية، ولا يدرجه ضمن قانون الصحافة لا من ناحية الحماية والتسيير، ولا يمنحه بطاقة المجلس الوطني للصحافة كباقي الصحافيين المهنيين والمعتمدين في مختلف التخصصات.
فالمادة الأولى من مدونة الصحافة والنشر، تطرقت لصفة الصحافي المهني المحترف بقولها:« “كل صحافي مهني يزاول مهنة الصحافة بصورة رئيسية ومنتظمة، في واحدة أو أكثر من مؤسسات الصحافة المكتوبة أو الإلكترونية أو السمعية أو السمعية البصرية أو وكالات الأنباء العمومية كانت أو خاصة التي يوجد مقرها بالمغرب”.
فالمراسل الصحفي في حقيقة الأمر، مغيب ومستثنى من قانون الصحافة والنشر ببلادنا، لكن في مفارقة عجيبة، يشكل المراسل الصحفي العنصر المؤثر إيجابا في المنظومة الصحفية عموما، فبدون شبكة مراسلين صحفيين منتشرة في مختلف مدن وجهات المملكة، المقاولات الصحفية والإعلامية مهدد بالإفلاس والاغلاق لامحالة، فبدونه تختل العملية الإعلامية ككل، ونلاحظ في مزاولة المهنة عندنا، وعندما يقع حدث طارئ ما في أي منطقة من مناطق المغرب مثلا، لا يتجند رئيس التحرير أو سكرتير التحرير أو المدير العام للمقاولة الصحفية..بل يتجند المراسل الصحفي بدعوى أنه إبن المنطقة وهو أدرى بشعابها، وهنا تضطر كبريات الجرائد والإذاعات والتلفزيونات والمواقع الإلكترونية توجيه مراسليها الصحفيين للسفر على الفور إلى عين المكان أو منطقة الأحداث، و أذكر هنا حالات الطوارئ التي عاشها مراسلون صحفيون بكل من زلزال الحوز وحراك جرادة وزلزال الحسيمة واحتجاجات فكيك وحراك الحسيمة وغيرها من الأحداث الأخرى المختلفة والمتنوعة، التي كان فيها عمل المراسل الصحفي بارزا ومتميزا وفي قلب الأحداث والتظاهرات السياسية والاجتماعية والثقافية والرياضة الكبرى.
وفي مقابل ذلك،لم تكلف أي مقاولةصحفية أو منبر إعلامي نفسيهما، القيام بحماية المراسل الصحفي الذي يعاني في صمت، من مجموعة من الاكراهات والعراقيل، وعلى رأسها الوثائق الثبوتية التي تجعله في حماية ومأمن دائم مع السلطات أو مع ممثلي بعض الإدارات المحلية أثناء مزاولة مهامه أو تغطية الأحداث الطارئة الآنية.
فلا تكلف المنابر الإعلامية والصحفية مع الأسف الشديد نفسها ( وهنا لا أعمم من هذا الباب)، لأن هناك منابر إعلامية تحترم نفسها في توفير أدنى شروط الحماية لمراسليها وعلى سبيل المثال :-* توفير بطاقة المنبر الإعلامي
* الاعتماد مكتوب بخط واضح ومختوم.
* تزويده بنسخة من شهادة الملاءمة.
* تصريح بالتصوير الخارجي الممنوح من المركز السينمائي المغربي ccm
* تعويض محترم يمنح للمراسل الصحفي على مهامه الشاقة والمتعبة.
وفي حالة إن لم توجد هاته الوثائق بحوزة المراسل الصحفي أثناء مزاولة مهامه الإعلامية والصحفية على أكمل وجه، يتعرض المراسل للمساءلة القانونية، وبالتالي يتم اتهامه بمزاولة مهنة ينظمها القانون وانتحال صفة صحافي مهني، إذن هي مفارقة عجيبة مع المراسل الصحافي الذي يواجه كل التحديات، ويراهن بكل ما أوتي من قوة وبنكران الذات لايصال المعلومة والخبر الموثوق به، وفي آخر المطاف يجز به في مخافر الشرطة أو الدرك أو القوات المساعدة.. ومهدد في أي لحظة بالسجن .
إذن المراسل الصحفي اليوم هو ليس المراسل الصحفي بالأمس القريب، حيث توفرت لديه اليوم كل سبل الراحة النفسية والمهنية والتواصلية إن صح التعبير، فاليوم مع طغيان وسائل التواصل الاجتماعي والمنصات الإعلامية والسوشل ميديا،أصبحت المعلومة متاحة للجميع، يبقى فقط إخضاعها للتحليل الذاتي والتجربة الميدانية الطويلة، هل صحيحة أو خاطئة أو مكذوبة؟؟، بطريقة المراسل الصحفى اللبق ومدى علاقاته الوطيدة مع مصادره الخاصة والموثوقة، بعيدا عن الفايك نيوز أو الأخبار المضللة لنجاح مهمته كمراسل صحفي ناضج ومتميز.
في الوقت القريب وفي بداية أواخر ستينيات وبداية سبعينيات القرن الماضي، لعب الصحافيون المراسلون أدوارا طلائعية، في مواكبة تنمية وتقدم البلاد من خلال المشاريع المفتوحة على أكثر من صعيد، وبالرغم من شح المعلومة والتعتيم عليها، كان لرجال ونساء التعليم ببلادنا اليد الطولى في ترسيخ قيم أخلاقيات مهنة المتاعب- الصحافة، وكان لهؤلاء الرجال والنساء المناضلين والمناضلات كانوا وكن يتمتعن بالشغف الكبير في تنوير الرأى العام، وتوجهه نحو صحافة تدافع عن الفئات الهشة والمضطهدة بالرغم من الاكراهات والتقلبات السياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية للبلاد انذاك ،وخاصة في زمن “سنوات الرصاص “، حيث كان المراسل الصحفي صوت المنابر الحرة وصوت الشعب التواق للتحرر الفكري والسياسي والاقتصادي والثقافي مباشرة بعد الاستقلال.
إن الاعتراف الآن بأدوار المراسل الصحفي، أصبح ضرورة ملحة من طرف الوزارة الوصية على القطاع، والدفاع المستميث للهيئات النقابية على ترسيخ قيم الاعتراف بالمراسل الصحفي الشامل، وتقديم مخرجات قانونية لحماية المراسل الصحفي من كل الاكراهات، التي قد تواجهه في مساره الإعلامي والصحفي، وصياغة قوانين جديدة مستمدة من روح قانون الصحافة والنشر وتكييف مضامينه لحماية المراسلين الصحفيين.
هذا دون إغفال الأدوار المهمة التي يلعبها التكوين وإعادة التكوين لفائدة المراسلين الصحفيين والصحافيين عموما، لأن الإعلام الجديد والصحافة في تطور متسارع يوما بعد يوم، لا على مستوى المفاهيم الأساس المستحدثة أو على مستوى آليات الاشتغال اليومي لمواكبة الأحداث الجارية في المنطقة العربية والعالم بأسره.
*ورقة بحثية ضمن اليوم الدراسي موسوم ب”الصحافة الوطنية بين التحديات والرهانات *
تعليقات الزوار ( 0 )