بنيونس عميروش
في البداية، يمكن توصيف المعطى التشكيلي الذي تتقاسمه مجموعة الأعمال بنمط من التجريدية الغنائية Lyrique الموصولة بالحركة والتَّعْويم الحُرّ، المفتوح على كافة مساحة السند Support.
إنه التصنيف الذي يؤطرأسلوب رشيد الكريشي في هذه المجموعة من اللوحات التي تعتبر امتدادا لتجربته التي دأب على تحميلها بشحنة ذاتية بادية، تقوم على التفريش اللوني التلقائي في طبيعته السائلة، مع تَيْسير آثار اللَّطْخ الذي يخضع، في العمق، إلى قدر من التعديل والتوجيه والتشذيب.
عبر مُتوالية مرئية مترابِطَة، تتقَلَّص التَّبادلات الكروماتيكية من المونوكروم (حالة الأحمر، مثلا) إلى اعتماد لونَيْن (برتقالي مُحْمَرّ/ أخضر مُزْرَقّ، على سبيل المثال)، إضافة إلى اللعب المرن بالأبيض (الفراغ)، والأسود (التَّعْمير) الذي يتخذ صِبغة تَوْليفية خاصة، إذ يُهَنْدِس التَّوافُقات والتَّوازُنات، فيما يزرع الشكل الدّال الوحيد الذي يرسم هيئة المفتاح القديم المستخدم في الأبواب/ البوابات الخشبية الكبيرة، ويعمل على الدفع باختزاله إلى حد الاحتفاظ بدائرة قَبْضَته فقط (الدائرة). بحيث يأتي الأسود، ولاسيما في جانبه الغرافيكي، ليَسْتَنْبِت دلالات الفَتْح والغَلْق ضمن ثنائية تعكس الكثير من التأويلات الموازية للحماية والتَّملُّك، والانفتاح بخاصة: الباب المفتوح، القلب المفتوح، اليوم المفتوح، الخطاب المفتوح، العين المفتوحة، مفتاح الحياة، وما يلي ذلك من دلالات الحلّ والفَتْح والفاتِح والفاتِحَة والتَّفَتُّح والفُتوح والتَّفْتيح والافتتاح والاستفتاح.
هكذا تنبثق صورة المفتاح كعلامة Signe تخلق مداخل سَلِسَة للقراءة والتأويل، ضمن تلقي مَشْهَدية زئبقية تروم وضع الرؤية باستمرار على حافة الانزلاق والشرود خارج اللوحة، إذ يتخذ التلوين والتبقيع وما يُنْتِجه من مُوتيفات وكُرات ودوائر، وبُوَيْضات توحي بالحيوية والتناسل، بينما يتوافق الكل في سيرورة دينامية تسير بالنظرة إلى انزياح مفتوح، محكوم بما تستقبله العين وما يُنتجه الإدراك، في الوقت الذي تذوب فيه منطقة الارتكاز بفعل حَركِيَّة مسترسلة ومُهيمنة دون هوادة.
ينطبع الأسود لتثبيت إقلالية خطية (ترسيم المفاتيح)، بينما يتخذ وَقْع ضربات ولمسات توليفية، تتجاوَر لدَوْزَنَة تركيب اللوحة ومنحها سياقا بصريا مستساغا، في مقابل الأبيض الذي يقيم معه التضادّات القمينة بتأكيد الألوان المسيطرة في اللوحة، فيما يعمل على تسوية الدرجات الضوئية بالحسبان الذي يسمح بترتيب الفراغات وامتداداتها، دون إلغاء تلاعبات الأبيض في اشتقاق الشفافية وما تثيره من تفاعُلات مرئية عبر التَّراكُبات Superpositions البديعة وما تعكسه من انطباعات نَدِيَّة، على مقربة من صَفاء الماء وصِفاته.
من ثمة، تجتمع الأعمال ضمن سلسلة بصرية راقصة، تُحيك دوائرها المُتَناغمة داخل اللوحة وخارجها، وفق ما يمكن أن نستحضره من “دوائر” ساكنة في دواخلنا، تُحاكي إيقاع الزمن وتحولاته الفضائية الموازية، كأنها تُصِرُّ على إقحامنا، بطريقة أو بأخرى، داخل قَبْضَة المفتاح (الدائرة بالنهاية) الذي جعله الفنان رشيد الكريشي ترجمانا رئيسا، ولطالما عمل على إبرازه محفوفا بثراء رمزيته، في منطقة الكثافة الجديرة بحلوله، ومن خلاله يهدينا مفتاح الفُتوح.



تعليقات الزوار ( 0 )