جمال حدادي – وجدة
الطابع على الصدر، بالأخضر لمن مر إلى الضفة الأخرى، و بالأحمر لمن لم يمر، لكن ألح، على أن يغادر، أن يغامر، للخروج منذ زمان، من أرض كأنها تأكل أبناءها، رغم كونها جنة، في نظر من جاءها من الضفة الأخرى، أرض الوصول إليها يستلزم وسائل نقل متعددة، كأنها تعيش على شفا النسيان في أقصى مكان.
الطابع على صدر مختنق، بالكاد يتنفس، يتنفس الصعداء، صدر تنفس في البلد الأم، ثم تنفس في بلد الغربة، في نفق الغربة، صدر لا هؤلاء أنصفوه هنا بوسام، و لا أولئك أنصفوه بأن تبنوه أو على الأقل احتفوا به أو احتفلوا.
صدر ضاق بشجارات الأبناء و البنات من جيل غير ذاك الجيل، كأن ما بقي هناك من الشباب كله في علبة واحدة، العلبة التي وضع فيها يوما ما ذلك الرجل كل بيضه، فتكسر كل البيض، بل لم يعد أمل أن يصلح لشي ء.
صدر ضاق ذرعا بهواء هناك، و عاد من حيث أتى ليعيش ما بقي من أيامه، في نعش، في جنازة، جنازة الأحياء، الوأد الذي يسبق الاحتضار، الاحتضار في الفردوس.
فردوس خانت الالتقاطية سحر ألوانه، و بدت الأضواء الكاشفة أكثر وضوحا من كل شيء، من أي شيء، كأنها الأضواء الكاشفة المسلطة على الحقيقة، حقيقة جريمة في حق الحياة، لمن اختار وطنا غير و طنه، و قوما غير قومه، قوم لا يعرفون عن الفردوس شيئا، إلا ما تراه أعينهم، أو تراه الكاميرات اللاقطة لسكون ميت، لدهاليز دروب نخرها الغياب، غياب الفعل، و غياب ردة الفعل، غياب قسري فرارا من الوقوع في الفخ، فخ الجريمة، الاشتراك فيها، جريمة عدم التبليغ عما يقع، في الهامش، في صمت، لمن غادر وطنا، فلا هو عاش هناك، و لا هو مات هنا.
حفنة التراب، كرماد تدفق من حمم بركان العيون الباكية المتحسرة، بعدما فات الأوان، في التوازي بين نفق هنا و نفق هناك، و ساقية في الماضي، و ساقية في الحاضر، و أسرار مجموعة في حقيبة، فيها كل شيء، و لا شيء، حقيبة كقبر، قبر محتل، مستعمر، من الخيانة، خيانة الوعد، الوعد بأن يبقى مكان للعائد، يوما، و لو فقد الحياة.
بطل الفيلم، تحفة فنية ناطقة، تعبير بكل أبعاده، حركة بهبة و وقار، كلام موزون، وصمت مكنون، تعجبت كيف للمخرج أن يملي عليه ما يجب فعله، لولاه لما كان للفيلم وزن، كل الممثلين مبتدئون، تقريبا، الفرنسي بطل ثان، لكن بطولته تعضدها نظرة العامة للأوربيين، كما يحدث في بلدنا، الانبهار، بالقادم من هناك.
تعليقات الزوار ( 0 )