الذاكرة أقوى من النار - مجلة زهرة
مساحة اعلانية

الذاكرة أقوى من النار

كتبه كتب في 11 سبتمبر 2025 - 11:26 ص
مساحة اعلانية
 نداء حرب
وسط أنقاض غزة المدمرة، تطفو حكاية أخرى من حكايات الدمار الإسرائيلي، أقل بريقاً من القنابل وأكثر عمقاً في جروح الهوية، إنها حكاية الكتب، ليست مجرد أوراق وحبر، بل كنوز دينية، ومراجع تراثية، وشهادات ثقافية تشكل ذاكرة شعب، إن تدمير الاحتلال المتعمد لأكثر من 300 ألف كتاب إسلامي ومسيحي وتراثي في غزة هذا باستثناء كتب الجامعات التي تعرضت بدورها لأضرار جسيمة ، ليس حادثاً عابراً، بل هو ضربة متعمدة في صميم الوجود الفلسطيني، ودار الأرقم خير شاهد على هذا الجرم الثقافي المنظم.
ماقامت به إسرائيل جريمة في وضح النهار ،نتج عنها  أرقام وصور صادمة، تتحدث  عن حجم الكارثة، دمرت بشكل كلي أو جزئي على يد قوات الاحتلال الإسرائيلي خلال هجومها الأخير على قطاع غزة، الكتب لم تكن مجرد رفوف في مكتبات عامة أو خاصة، بل كانت مقدسات دينية، مصاحف شريفة، وكتب تفسير، وأحاديث نبوية، ومراجع فقهية إسلامية لا تقدر بثمن، إلى جانب كتب طقسية مسيحية، وأناجيل، ودراسات لاهوتية تعود لعقود بل لقرون، تمثل تراثاً روحياً مشتركاً للمسيحيين الفلسطينيين في غزة.
أرادت بذلك أن تمحو إرثاً تراثياً وتاريخياً،شملت كتب تاريخ فلسطين القديم والحديث، ومراجع عن القرى المهجرة، وأدب المقاومة، وأشعار، وأعمال أدبية لفلسطينيين وعرب، وتسجيلات للتراث الشفوي، ومخطوطات نادرة أو قديمة، تمثل  جسوراً تربط الأجيال بماضيها وتشكل وعيهم بهويتهم، وتغذي العقل الفلسطيني وتثري حواره الداخلي ومع العالم.
ولا يمكن الحديث عن تدمير الكتب في غزة، دون التوقف عند أيقونة الثقافة “دار الأرقم” لم تكن مجرد مكتبة تجارية عادية، بل كانت صرحاً ثقافياً، وقلباً نابضاً للمدينة، ووجهة المثقفين، والطلاب، والباحثين، وعشاق القراءة لعقود، احتوت على آلاف العناوين المتنوعة في شتى المجالات، بالأخص التراث الفلسطيني والدراسات العربية والإسلامية، حيث تحولت المنارة الثقافية إلى رمز مأساوي، عندما قصفت ودمرت بالكامل، محولة كنوزها المعرفية إلى ركام وأوراق محترقة متناثرة بين الأنقاض، فدمار دار الأرقم ليس تدميراً لمبنى، بل محو متعمد لعلامة ثقافية بارزة في خريطة غزة، تدمير متعمد، وجزء من “استراتيجية ممنهجة”، محاولة بذلك قطع الصلة بين الفلسطينيين وتاريخهم، وتراثهم، ودينهم كأركان أساسية لهويتهم الوطنية والثقافية، وإفقار البيئة الفكرية والمعرفية، وإضعاف قدرة المجتمع على الإنتاج الثقافي والفكري المقاوم، وضرب الروح المعنوية برؤية تراثهم الديني والثقافي يحترق، ممايسبب صدمة عميقة وجرحاً نفسياً جماعياً للفلسطينيين، في محاولة لكسر إرادتهم،بحجة محاربة الإرهاب؛ تشويه فاضح يهدف إلى تجريد الفلسطينيين من إنسانيتهم وتراثهم الإنساني المشترك، مما يعتبر جريمة ضد الإنسانية والتراث العالمي، حيث يصنف القانون الدولي تدمير الممتلكات الثقافية والدينية المتعمد، خاصة أثناء النزاعات المسلحة، كجريمة حرب، واتفاقية لاهاي لحماية الممتلكات الثقافية نصها واضحة في هذا الشأن.
ما حدث في غزة يتجاوز انتهاكاً محلياً؛ بل اعتداء على “تراث إنساني مشترك” الكتب الإسلامية والمسيحية المدمرة تمثل جزءاً من التراث الديني العالمي، المخطوطات والمراجع التاريخية عن فلسطين، مصادر لا تعوض لفهم تاريخ المنطقة، الدمار جريمة ضد الثقافة الإنسانية جمعاء.
وختاماً بينما لا تزال جرافات الاحتلال تعبث بالأنقاض، ويستمر مسعاه لطمس كل معالم الثقافة والهوية الفلسطينية، تبقى حقيقة ثابتة: بأن الذاكرة البشرية لا تحترق، قد تدمر الأوراق، ولكن القصص والمعارف والقيم التي حملتها تنتقل شفهياً، وتستقر في القلوب، وتُعاد كتابتها.
 جريمة تدمير 300 ألف كتاب ودار الأرقم رمزاً للخراب الثقافي، ستُسجل في صفحات التاريخ كوصمة عار أخرى على جبين الاحتلال، ستبقى جريمة تذكّر العالم بأن معركة الفلسطينيين ليست فقط على الأرض، بل معركة وجود على الورق أيضاً، معركة لحفظ تاريخهم وهويتهم من الإبادة، وإن صمود الشعب الفلسطيني وإصراره على إعادة البناء، بما في ذلك إحياء مكتباته وثقافته، يعد الرد الأقوى على محاولات المحو، فالثقافة، مثل شعبها، ترفض الموت.

تعليقات الزوار ( 0 )

اترك تعليقاً