زهرة ـ غزلان السعيدي
في أقصى امتداد الساحل الإفريقي، حيث تهمس الرياح بأسرار الرمال والرحل وتتداخل ألوان الأفق بعد أفول موسم الأمطار، لا تُقاس الطقوس بما نألفه، بل بما يدهش الروح والعاطفة.
هناك، لدى شعب “الودابي” Wodaab”، تنقلب معايير الجمال والزواج لرحالة الفولاني المقيمين بين النيجر وتشاد، في مشهد إنساني ساحر يُدعى مهرجان “جيريوول” (Gerewol).

في الصباح الباكر، قبيل ارتشاف شاي معتق مختمر، يغدو الباحث عن شريكة الحياة، لصيقا بمرٱته عسى أن يظفر لزوجة ،فيتفنن في تزيين وجهه بلورات ملونة وشفتيه بصنع أسور وعينان بالالوان الزاهية، عسى ان ينال رضى لجنة التحكيم ،عفوا النسوة التي تتربعن على عرش اختيار الشريك المناسب بمعايير صارمة فرضتها حياة الرحله بالصحراء.

صباحات اللحاء المتخمر..عناء طقوس البحث عن شريكة الحياة يقلب معايير الجمال وقبول الطرق الٱخر.
تبدأ الحكاية قبل شروق الشمس، يجلس رجل الودابي يستحضر هيبة الطقس بمشروبه الصباحي الخاص. يرتشف شايًا تقليديًا مصنوغًا من لحاء شجرٍ متخمر، يُقال إنه يبث في الجسد خدرًا خفيفًا وحالة من التجلي الجمالي،كزاد للروح الذي يمنح الشبان الطاقة والقدرة على الرقص والتحمل لساعات طويلة تحت فيض شمس الصحراء الملتهبة.

طين الأرض يكتب ملامح زوجة المستقبل
يكرس شبان قبيلة البودابي ساعات طويلة لتطبيق ماكياج جد معقد، ليغدو لغة تعبيرية قائمة بذاتها:
ـ ألوان الأرض والحياة: يُطلى الوجه باللون الأحمر وأكاسيد الأوكر والصلصال الأبيض المأخوذ من أحشاء الطبيعة.

ـ تطريز الملامح: يُرسم خط فاتح ينصف الوجه على امتداد الأنف لإبراز استقامته ودقته، بينما تُحدد العيون والشفاه باللون الأسود الداكن.
يحرص البودابي على إبراز السواد البراق للعيون والنصاعة الفريدة للأسنان، إذ تُعد التناقضات اللونية جوهر الجاذبية في الفلسفة الجمالية لـ “الودابي”.
تكتمل إطلالة الباحث عن شريكة الحياة بارتداء قبعات مزخرفة وحلي خرزية متراكسة على الصدور، لتنسجم مع كل حركة ورقصة.
رقصة “الياكي”
في منطقة”إن-غال” تلتئم الأسواق واللقاءات القبليّة، يتراص الشبان في صفوف طويلة لتأدية رقصة “الياكي” (Yaake) الرومانسية.
يتنافس المشاركون في إظهار طول القامة والرشاقة وقوفا على أطراف الأصابع، بينما يدحرجون أعينهم بيسر، ويبرزون ابتسامات عريضة ممتدة تُظهر بياض أسنانهم، تحت وقع أصوات غنائية مبهمة.
إنها دراما استعراضية متكاملة تتناغم فيها لغة الجسد مع لغة العيون للتعبير عن الرغبة في الزواج.
سيادة القرار للأنثى: نظرة تختصر ألف حكاية
تجلس النسوة وكأنها لجنة تحكيم صارمة في صمت مهيب، تحملقن في المرشحين الذين يجمعون بين طاقة التحمل، وأناقة الزي، وسحر الابتسامة والقوام المكشوف.
وبحركة خاطفة تفيض بالرقة والكبرياء، تومئ الفتاة برفق نحو الشاب الذي أسر قلبها وحواسها، إيذانا بإعجابها به.
إضاءة

مهرجان غيروول طقس تقليدي للزواج يستمر أسبوعًا كاملاً ، يمارسه شعب الوودابي في منطقة الساحل، خاصة في تشاد والنيجر.
تمتلك النساء السلطة الرئيسية في اتخاذ القرارات خلال المهرجان. يتعهدن بتقييم أصوات الرجال، ويخترن شركاءهن بناء على أناقتهن، ومظهرهن، وقدرتهن على الرقص لفترات طويلة.
بدلا من أن يكون “طقسًا غريبًا”، فإن الحدث يكتسي جانبا تاريخيا عميقا، يحتفي بالتراث الثقافي غرب أفريقيا، يركز على الزواج، والترابط المجتمعي، والتعبير الفني.
تتوارى السنون ويبقى مهرجان “جيريوول” قصيدة إفريقية خالدة؛ تذكرنا بأن الجمال لا يقتصر على المظهر، بل طقس احتفالي بالحياة والأنوثة والحرية في قلب الصحراء الكبرى، تتوارثه الأجيال كابرا عن كابر.
تعليقات الزوار ( 0 )