زهرة – مكة المكرمة
من يزور مكة المكرمة لا تبرح عيناه وقلبه الكعبة المشرفة فقط، بل تأخره روحه نحو تفاصيل بشرية صبغت هذه البقعة المباركة بمسحة من الحنان والدفء. في دروب مكة، وبين أزقتها التي تفوح برائحة العود والند، برزت ملامح نسائية صبغت مجتمع العاصمة المقدسة بطابع فريد، نساء حفرن أسماءهن في ذاكرة المكان والزمان.. هنّ “مؤنسات مكة”.
مؤنسات مكة بين عزة النفس وعمق الأثر
لم تكن المرأة المكية مجرد شاهدة على التاريخ، بل شريكة في صياغة تفاصيل الحياة اليومية والاجتماعية في مكة. أُطلق عليهن “المؤنسات” لأنهن يملأن الفضاء بروح العطاء، الكرم، والترحاب الذي يحتاجه الغريب قبل القريب.
حين يطأ الحجاج والمعتمرون أرض مكة مثقلين بتعب السفر، يجدون في جود أولئك النسوة وبشاشتهن “الإيناس” والأمان. فهن اللواتي عُرفن بفتح بيوتهن لخدمة ضيوف الرحمن، وتقديم السُقيا، وإعداد المأكول المكّي العريق كـ “الزلابية” و”السليق” و”الّلدو”، لا تبتغين سوى الأجر والذكرى الطيبة.
مؤنسات مكة.. أدوارٌ صاغت مجتمعاً
تنوعت ملامح “المؤنسات” في مكة عبر العقود والقرون، وتعددت أدوارهم المؤثرة:
ـ المطوِّفة: تلك السيدة التي ترث المهنة كابراً عن كابر، لتقود قوافل النساء من الحجاج، تعلمهن المناسك، وتؤنس وحشتهن في بلاد الغربة، فكانت الأم والأخت والمرشدة.
ـ التاجرة العصامية: في أسواق مكة القديمة كـ “سوق الليل” و”سوق المدعى”، برزت نساء يبعن الأقمشة، والبخور، والسبح، بذكاء فذ وتعامل راقٍ يجمع بين الحشمة والمهارة التجارية.
صاحبات الرباطات والمبرات: نساء ميسورات أوقفن حياتهن وأموالهن لبناء “الأربطة” (دور السكن المجانية) لإيواء الأرامل، والمطلقات، والزائرات من قاصدات بيت الله الحرام.
الروح المكيّة: إرث لا يموت
تتميز “المؤنسة” المكية بلكنتها الحجازية العذبة، وعباراتها التي تفيض ترحاباً ودعاءً، مثل”أهلاً وسهلاً بضيوف الرحمن” و”نورتوا مكة”. في بيتها، تجد “الروشان” الخشبي الذي يطل على الحارة ليسمح بنسيم الهواء، وتجد “المرتبة” الحجازية المنسقة، حيث تجتمع الجارات ليتبادلن الأحاديث، ويخططن لأعمال الخير والتعاون الاجتماعي.
> “إن مؤنسات مكة لم يكنّ مجرد نساء عشن في مدينة مقدسة، بل كنّ الروح الإنسانية النابضة التي تحول الحجر والمدر إلى مأوى دافئ يفيض بالسكينة.”
>
مؤنسات مكة: عطرٌ باقٍ في ذاكرة الحجر والبشر
قد تتغير الملامح العمرانية لمكة، وتتوسع الساحات، وتغيب ملامح الحارات القديمة بفعل التطوير، لكن سيرة **”مؤنسات مكة”** تظل محفورة في وجدان كل من زار البقاع الطاهرة. إنهن الأمهات والجدّات اللواتي علمن الأجيال أن جوار البيت الحرام ليس مجرد سكن، بل هو مسؤولية، وأخلاق، وبشاشة وجه، وعطاء لا ينقطع.
سيبقين دائماً العطر الذي يفوح من ثوب مكة، والبهجة التي تؤنس
قلوب الملايين.
تعليقات الزوار ( 0 )