شادية حامد-فلسطين
برقية إلى المغرب
أهلي المغاربة وماء عيني وجرح قلبي المكلوم…
لا يسعفني اللفظ في تقصّي ما يكشف عمّا يعتري وجداني من تَرَح ،
ولا تمرّغ اليراعة في دواة اللوعة والأسى …
ثكِلَني يا إخوتي قلمي…
ثكِلني أمام هَوْل هذه المأساة التي حلّت بموطن الروح ، وخدشت فردوس الأمل ، وعجنت ترابه المقدس بنمير الحزن ونسغ شقائق النعمان….
أنا الفلسطينية المنسية من متن العدالة،
التي تربّت على ماء الغربة ، وخبز الدمع والقمع، وأسمال اللا هُوِية ، وتقطيع الأوصال ما بين حيفا و” أورشليم” يافا و” تل أبيب” غزة و” إشكِلون” الخالصة و”كريات شمونيه” خليل الرحمن ” ومعارات هماخبيلا”…..
ينفطر اليوم قلبي مجدّداً لتمتد خارطة وجعي حتى مدينة السبعة أولياء ، وكُتُبيةٍ تسربلت بغبار وأشلاء…وحوز الناس الطيبة والأتقياء ،
وآيت أورير ومولاي إبراهيم وأسني وتارودنت وأمزميز وتحناوت وتمصلوحت وتمكروت وتيدلي وويرغان وإيغيل المنكوبة المنتحبة على مسجد تينمل الذي قضى الدهور شامخا مُنيفاً معتزّا بعهد المهدي بن تومرت ليتهاوى بلحظِ عين منهاراً وإياي…
على مغرب ثاكل ترتفع فيه أرواح الشهداء هالات قدسية حدّ السماء….
لكن الإرادة المكللة بالرأفة والرحمة ، والإصرار المتوهج بالحياة ، وهذا الألم الممتتح من ينابيع العدم في الوجدان المغربي الشريف – لا يفتأ ينيف كما الحجر الفلسطيني في أيادي النضال ، يأبى إلا أن يحوّل الحجارة المتداعية إلى أسس وثوابت جديدة مقاومة للدمار… فما تداعى سيرمم .. وما تهاوى سيُرفع… وما تدمّر سيعود ويُرَسّخ في صميم العزيمة.وما فقدنا من أرواح سترفرف ثانية حول أسَرِها حاملة اسماءها وذاكرتها في مواليد قادمة إلى الحياة…
من حيفا وعكا وصفد ويافا وغزة وعسقلان ….
من عمق فلسطين التاريخية نرفع أكفّ الدعاء ضارعين إلى السماء أن تؤازر مغربنا ،
مغرب العزة والكرامة والإرادة مُزيَّنا بقصيدة أبي القاسم الشابي:
” قالَتْ لِيَ الأَرْضُ- لمّا سَأَلُتُ:
” أيَا أُمُّ هَلُ تَكْرَهِين الْبَشَر؟
أُبَارِك في النّاس أَهْلَ الطّموح
وَمَن يَسْتَلِذّ رُكُوب الخَطَر
يجيءُ الشِّتَاءُ ، شِتَاءُ الضَّبَابِ
شِتَاءُ الثُّلُوجِ ، شِتَاءُ الْمَطَـر
فَيَنْطَفِىء السِّحْرُ ، سِحْرُ الغُصُونِ
وَسِحْرُ الزُّهُورِ وَسِحْرُ الثَّمَر
وَتَهْوِي الْغُصُونُ وَأَوْرَاقُـهَا
وَأَزْهَـارُ عَهْدٍ حَبِيبٍ نَضِـر
وَتَلْهُو بِهَا الرِّيحُ في كُلِّ وَادٍ
وَيَدْفنُـهَا السَّيْـلُ أنَّى عَـبَر
وَيَفْنَى الجَمِيعُ كَحُلْمٍ بَدِيـعٍ
تَأَلَّـقَ في مُهْجَـةٍ وَانْدَثَـر
وَتَبْقَى البُـذُورُ التي حُمِّلَـتْ
ذَخِيـرَةَ عُمْرٍ جَمِـيلٍ غَـبَر
فصدّعت الأرض من فوقـها
وأبصرت الكون عذب الصور
وجـاءَ الربيـعُ بأنغامـه
وأحلامـهِ وصِبـاهُ العطِـر
وقالَ لَهَا : قد مُنِحتِ الحياة
وَخُلِّدت في نسلك المُدّخر
وَبارَككِ النورُ فاستقبلي
شباب الحياة وخصب العمر
ومَن تعبُدُ النورَ أحلامُهُ
يُبَارِكهُ النورُ أنّى ظَهَر.
هذا هو المغرب ، مغرب الإرادة، مغرب القوة والإباء والكبرياء ، لا تستسلم سواعده ،
ولا تنضب موارده، ولا تفنى مقاصده ،
ينهض مثل فينيق من وسط الرماد ،
يرفع البنيان ويعمّر البلاد .
يعزُّ عليّ يا أخوتي ألا أجود بدمعي المنهمل حياءً وأنا أرى قوافل الخير ترسم طريقها إلى الجنوب ، مدّتها أياد عُليا قد لا تملك قوت يومها ، محمّلة بخيرات لا حصر لها ممدودة على موائد النبض ومراتب العطف والأخوّة ،
سائرة على مذهب أبي العباس السبتي
” الوجود ينفعل بالجود” أشهر أولياء مراكش الصامدة ، وخيرة مَن اقتدى به المغاربة على اليقين المطلق بأن الله هو الرزاق ذو القوة المتين دون ارتياب أو شكِّ يزعزع هذا الايمان،
وما هذا المُصاب إلا امتحان عسير للنّفس البشرية التي أثبتَ فيها المغرب من خلال أبنائه الأطياب تلك المرتبة الزّهدية العالية والغائرة في آن، والمحقِّقة لمعانٍ عظيمة :
العطاء والإخاء والتعاضد والوحدة…ما هَمَّ كم تعددت على أرضه اللغات واللهجات والثقافات والإثنيات والعرقيات والديانات والألوان…
فلسطينية الأغصان مغربية الجذور أنا ، ممزقة بين الهُنا والهناك ، أتقلب على جمر روحي خفرا من جثامين الشهداء ، وطهارة الدماء ،
وما اندثر في بلد أهلي من بهاء…
ولا أخفيكم يا أشقاء نبضي
كم خجلة أنا في حضرة الأرواح الطاهرة
كم خجلة في حضرة المشرّدين بلا مأوى في العراء
كم خجلة في حضرة العيون التي لا تنام والسواعد التي لا تكلّ من الحفر والبحث تحت الردم والهدم عن الضحايا
لا أدري …. حينما رأيت جسد مولودة باكية تنتشل من بين الأنقاض كيف هطلت عليّ تغريبة شعبي من جديد،
هطلت مدرارة ليصفعني التاريخ نكبة بعد أخرى…
يا أهلي المغاربة
إننا معاً
جرحكم جرحي ، وحزنكم حزني، وهمّكم همي…
ثقوا بيقيني أن ما يجمع شملنا هنا في القدس وهناك في بلد الأولياء …
أواصر أقوى من الهزائم ، وأمتن من الانتكاسات.. إنها أواصر القومية والمحبة والأخوة والدم…
يا أيها المغرب العظيم بكل ما فيك …
قلبي معك
ملكاً وشعباً وأمناً وعلماً وشعرا وأدباً وديناً وحضارةً وبساطةً وتاريخاً وعمراناً وعزّة وسيادةً ..
دمتَ يا مغرب دَمنا
ودُمنا فداء لك…
شادية حامد
فلسطين
تعليقات الزوار ( 0 )