زهرة ـ باريس
ريشة تبعث من الركام لتكتب يوميات غزة بالألوان
في قلب الخيام المثقلة بوجع النزوح، حيث يغتال الضجيج والرصاص براءة الطفولة، تولد مبادرة “ألوان من قلب غزة” لتكون كوة ضوء في العتمة.
على مدار أربعة أسابيع، لم يكن الرسم مجرد نشاط عابر لأطفال تتراوح أعمارهم بين 12 و16 عاماً، بل صمود، ومحاولة لاسترداد حكاية التحدي والعزيمة من بين الركام.
بدعم من برنامج “رحى” الطارئ، وبالشراكة مع مؤسسة عبد المحسن القطان، انطلقت الورش الفنية من إيمان عميق بأن حماية المجتمع تبدأ من حماية روحه، وحماية مبدعيه الصغار الذين كبروا قبل أوانهم.
الألوان.. لغة ما بعد الصمت
بالنسبة لهؤلاء اليافعين، لم تكن الأقلام والألوان مجرد أدوات مدرسية، بل كانت جسراً للبوح.
في تلك المساحة الصغيرة التي وفرتها الورشة، تحولت الورقة البيضاء إلى “ملاذ آمن” يفرون إليه من ازدحام الخيام وقسوة الواقع.
الرسم تفريغ نفسي: الورش لم تكن دروساً نظرية، بل كانت جلسات “تفريغ انفعالي” منظمة، حيث تتحول الصدمة إلى خطوط، والخوف إلى مساحات لونية.
يوميات الخيام: بدلاً من كتابة المذكرات بالكلمات، سطر الأطفال يومياتهم بالألوان؛ رسموا تفاصيل حياتهم الجديدة، طوابير المياه، ملامح أمهاتهم الثكالى، وأحلامهم المؤجلة التي تسللت خلف سياج المخيم بعبرات الفقد والنزوح.
مبادرة “ألوان من قلب غزة”
تقول ريم ابو الروس فنانة بصرية فلسطينية:«أؤمن أن اللون يمكن أن يكون مساحة نجاة، وأن اللوحة قد تتحول إلى وطنٍ صغير حين يضيق الأفق المسلوب .. من هنا وُلدت مبادرة ألوان من قلب غزة .. على مدار خمسة أسابيع، رسمنا معاً…لم تكن مجرد دروس فن، كانت رحلة حبٍّ واكتشاف.تعلم الأطفال كيف يكون للرمز معنى، وكيف يصبح للون حياة،تعرفنا على الألوان الأكريليك والمائية والقواش، مزجنا الظل بالنور، وتركنا للفرشاة ما تعجز الكلمات عنه.كان بحر غزة حاضرًا في لوحاتهم…
ساطعًا، واسعًا، مليئًا بالأمل،رسموا شبكة الصيد وسمك غزة، رسموا الخيمة الباردة التي سرقت دفء قلوبهم، أرادوها فقط محطة انطلاق ففي انتظارهم بيتًا يحملونه معهم أينما نزحوا، وتمنوا لو أن الوطن يُطوى في لوحة،رسموا زهرة الحنون، والكوفية، والعلم الفلسطيني، سماء غزة التي لا تشبه أي سماء،كانت بالِتة الألوان بين أيديهم كطائرٍ يحنو فوق الخيام، يحاول أن يهرب من القضبان، ويُعلّمنا كيف نرى الضوء حتى في أقسى اللحظات»
غزة تلون فلسفة البقاء
تأتي المبادرة لتؤكد أن المقاومة بالجمال لا تقل أهمية عن أي فعل آخر. فالمجتمع الذي يحمي فنانيه ومثقفيه الصغار، مجتمع يرفض الانكسار.
“لم نكن نعلّمهم كيف يمسكون الريشة، بل كنا نعلّمهم كيف يمسكون بزمام حكايتهم، لئلا تضيع هباءً وسط غبار القصف.”عبد المحسن القطان
من خلال “ألوان من قلب غزة”، أثبت الأطفال أن الفن ليس ترفاً، بل ضرورة وجودية.
رسموا بسجيتهم ليبرقوا للعالم رسائل قوية: “نحن هنا، لنا أحلامنا، ولنا ألواننا التي لن يستطيع غبار الحرب أن يطفئ بريقها.”
في غزة، رَغْمَ وجع النكبات ، هناك ريح مرسلة خطتها أنامل طُفُولَةٍ تواجه المجهول وتتخذ من أحلامها بلسما يرمم النفوس بين رصاصة القدر ورصاصة المجهول.
تعليقات الزوار ( 0 )