رواية "تماس المدن" للراحل نجيب المانع نضج فكري وشغف بالمعرفة - مجلة زهرة
مساحة اعلانية

رواية “تماس المدن” للراحل نجيب المانع نضج فكري وشغف بالمعرفة

كتبه كتب في 4 أبريل 2022 - 12:47 م
قطائف أدبية مشاركة
مساحة اعلانية

زهــرة

صدرت حديثًا عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر طبعة منقحة من رواية الأديب العراقي الراحل نجيب المانع “تماس المدن”.

ووسم الدكتور حمد البليهد مقدمة المؤلف ب :”إطلالة على عالم نجيب المانع”كتب بين دفتيها :صدرت الطبعة الأولى والوحيدة من رواية “تماس المدن” في بغداد  أواخر السبعينيات الميلادية، وكان نجيب المانع آنذاك قد تجاوز الأربعين من عمره، يتنقل بين عنفوان نضجه الفكري، وحماسه المتّقد، وينهل من الأدبين الروسي والفرنسي، متأثرًا بدوستويفسكي وبروست وستندال، فقاده شغف المعرفة، وغنى تجربته الثقافية، إلى النهايات القصوى من المثالية، والتوغُّل في بحر الأفكار المتشابكة، متعمقًا في عوالمه الداخلية وأحلامه الوجودية، فجعل أحداث الرواية تجريبًا فكريًا يعبّر عن مجتمع يستشرف مستقبله، وتتنازعه الأهواء والطموحات، وتتناهب أفراده متاهات القلق والخوف والشك، وابتكر فيها عالمًا متخيلًا مناظرًا للواقع. وصوّرت الرواية المجتمع العراقي في تلك اللحظة التاريخية؛ فجاءت أحداثها حاضنة لسياق تلك الحقبة التي شهدت نشاط المدّ اليساري، ثم انهيار الأحلام المبهجة· واهتمت الرواية بفكرة الوحدة العربية التي أراد تحقيقها جمال عبد الناصر بحماس عاطفي إلى أن انتهت بفشل سريع كما تنفجر فقاعة الصابون. وقد تعمّق المانع في استبطان الشخصية الرئيسة، سليم الصابري، وجعله مرآة لرغباته ورؤاه في الحب والنساء؛  الشخصية تكاد تمثّل سجلًا سرديًا لتجارب نجيب وأفكاره؛ ماضيه وحاضره،  يرى آماله تتلاشى وتموت بطريقة غامضة، خاضعة لشروط واقعها الاجتماعي بعد أن عجزت عن التصالح معه.

اختارت الرواية شريحة من المثقفين الميسورين في عراق ما بعد الحكم الملكي، وأنشأت بهم مجتمعًا سرديًا تتفاعل في عالمه الافتراضي، فالشخصيات تتعارض آراؤها ومواقفها حول موضوعات مختلفة، ووضع نجيب في روايته كثيرًا من المفاتيح الدالة التي نطقت بها شخصياته بعفويّة لتفتح الأبواب كلها في ضوء الشمس المشرقة أو الغاربة.

وأضافت المقدمة: أمضى نجيب المانع حياته في القراءة العميقة لعباقرة الفكر الإنساني، وجرّب الكتابة في أنواع أدبية مختلفة، كالشعر، والقصة القصيرة التي حاكى فيها جيمس جويس، والمقالات المبعثرة في الصفحات الثقافية كالآداب والمجلة اللبنانية التي كان يشرف عليها يوسف الخال، لكنّه لم يهتم بجمعها، ثم انصرف إلى الترجمة التي استنفدت معظم وقته وجهده· وأدى إيغاله في القراءة، وانشغاله بأعمال وظيفية، إلى عدم الإخلاص للكتابة، وتهيبها؛ بحثًا عن المثالية فيها، وحين فكّر في تحديد هويته الإبداعية بكتابة خاصة تترجم رؤيته للعالم كان “استهلاك العبقريات”، كما يقول، قد أنهك طاقته، فلم يصدر له في حياته باستثناء الترجمات سوى هذه الرواية التي قد يلمح القارئ في صفحاتها الأولى ظلالًا من رواية الأفكار لا رواية الأحداث. وحين نقرأ رواية “تماس المدن” بوصفها التجربة الأولى لكاتبها، ثمّ نضعها في سياق ضرورة تآلف الكاتب مع النماذج السردية الكبرى في عصره وتقاليده الأدبية، نجدها رواية طليعية. وقد اقتصر عملنا على إخراج الرواية بصورة تليق بها، فصحّحنا الأخطاء الطباعية، وضبطنا الكلمات التي لم تكن الطباعة تُعنى بها آنذاك، وأضفنا في الهامش تعريفًا موجزًا ببعض الكلمات أو الأماكن، ونحن إذ نقدّم إلى القارئ هذه الطبعة الجديدة من رواية “تماس المدن”، إنما نحاول رفع بعض الإهمال النقدي الذي قُوبلت به الرواية في حياة مؤلفها، ولعل في تغيّر السياقات الثقافية فرصة لإعادة تأويلها، وبعثها من النسيان، وهي أقل من تحية خجولة لنجيب المانع، ذلك المثقف النادر·

تعليقات الزوار ( 0 )

اترك تعليقاً