الثريد النبوي: سر البساطة والبركة في مطبخ أمهات المؤمنين في رمضان - مجلة زهرة
مساحة اعلانية

الثريد النبوي: سر البساطة والبركة في مطبخ أمهات المؤمنين في رمضان

كتبه كتب في 9 فبراير 2026 - 10:40 ص
فن العيش مشاركة
مساحة اعلانية

زهرة

بين جدران حجرات أمهات المؤمنين البسيطة، لم تكن تُعرف الموائد المترفة التي تئن من كثرة الأصناف، بل كانت تقوم فلسفة “المطبخ النبوي” على البساطة المتناهية، والبركة العالية، والقصد من الطعام للتقوي على العبادة.

مائدة النبوة: فلسفة القوت لا الترف

كان بيت النبي ﷺ في رمضان يرفع شعار “الزاد الذي يبلغك الوجهة”، لم يكن رمضان شهر استعراض للأطباق، بل كان شهر “خفة الأبدان لنشاط الأرواح”.

ـ أولاً: وجبة الإفطار (التعجيل والرفق بالمعدة)

كانت أمهات المؤمنين يجهزن للنبي ﷺ إفطاراً مقسماً على مرحلتين:

ـ المرحلة الأولى (قبل الصلاة):

كان يعجل الفطر بمجرد سماع الأذان على الرُّطَب (الثمر الغض)، فإن لم يجد فتمرات، فإن لم يجد حسا حسوات من ماء, فضلا عن حرص أمهات المؤمنين على اختيار أطيب التمر المتوفر (مثل العجوة).

ـ المرحلة الثانية (بعد الصلاة):

إذا وُجد طعام مطبوخ، فغالباً ما كان يتكون من صنف واحد فقط، ومن أشهر ما كانت تحضره زوجاته:

ـ الثريد: ملك السفرة، عبارة عن خبز بر (قمح) يُكسر ويُسقى بمرق اللحم، كان النبي ﷺ يحبه كثيرا، وكانت السيدة عائشة أو السيدة صفية رضي الله عنهما تبرعان في تحضيره.

ـ الأقط: لبن مجفف كان يُقدم أحياناً كنوع من الإدام.

ـ اللحم: لم يكن يحضر يومياً، فإذا وُجد لحم (خاصة الكتف والذراع) كان يُطبخ بطريقة بسيطة (مسلوق أو مشوي).

ثانياً: وجبة السحور (البركة وتأخير الوقت)

كان السحور في بيت النبوة وجبة أساسية، لكنها خفيفة جداً، كان النبي ﷺ يصفها بـ “الغداء المبارك”.

ـ التمر: قال ﷺ: “نِعْمَ سحور المؤمن التمر”،لذا كان التمر والماء المكونين الدائمين على مائدة السحور.

ـ التلبينة: كانت السيدة عائشة تحضر “التلبينة” (حساء الشعير) أحياناً في السحور، لأنها تمنح شعوراً طويلاً بالشبع وتمد الجسم بالألياف التي تمنع العطش والإمساك نهاراً.

ثالثاً: المشروبات في رمضان

لم تكن هناك عصائر مصنعة، بل كانت أمهات المؤمنين يجهزن “النبيذ” (وهو نقع التمر أو الزبيب في الماء):حيث كانت السيدة عائشة تنقع التمر في الماء من الصباح ليشربه عند الإفطار، أو تنقعه من المساء ليشربه في السحور، المشروب كان يحل محل العصير، يمد الصائم بتركيز سريع من السكريات الطبيعية والمعادن.

أمهات المؤمنين وترشيد مطبخ رمضان

كانت زوجات النبي ﷺ يضربن أروع الأمثلة في التدبير والقناعة: حيث كنّ يوزعن أغلب ما يصلهن من هدايا وطعام على الفقراء، حتى أنهن ربما أفطرن على الخبز والزيت فقط، كان يمر عليهن الهلال والهلالان ولا يوقد في بيوتهن نار، فكان اعتمادهن على “الأسودان” (التمر والماء).

كان بيت النبوة يفتح أبوابه لكل سائل، فكانت زوجات النبي يجهزن الطعام لإفطار الفقراء قبل أنفسهن.

القيم المستفادة من النظام الغذائي النبوي

ـ لم يكن النبي ﷺ يكثر من الطعام، كان يقوم لصلاة التراويح وقيام الليل والتهحد بنشاط تام.

ـ البعد عن التكلف: صنف من الاكل  أو صنفان على المائدة، مما يقلل من وقت وقوف النساء في المطبخ ويفرغهن للذكر واستثمار شهر رمضان.

ـ  البركة في القليل: شبع النبي ﷺ وأهله من القليل من الطعام، للتقوي على طاعة الله.

كانت أمهات المؤمنين رضي الله عنهنّ يُحضّرن “الثريد” ببراعة وبساطة، فهو ليس مجرد وجبة، بل “سيد الطعام” الذي جمع بين لذة المذاق وسهولة التحضير، والوجبة المفضلة للنبي ﷺ.

إليكِ كيف كانت أمهات المؤمنين يصنعن الثريد بالتفصيل:
1. المكونات الأساسية (من بيئة المدينة)
ـالخبز (البر): كان يُصنع من دقيق القمح أو الشعير، ويُخبز كأقراص رقيقة (خبز الملة أو خبز التنور).
ـ المرق واللحم: يُسلق اللحم (غالباً لحم الغنم أو الماعز) في الماء مع بهارات وأعشاب بسيطة.
ـ الدُّبّاء (القرع): كان يُضاف أحياناً للمرق، فقد كان النبي ﷺ يحبه كثيرا.
2. مراحل التحضير (الطريقة النبوية)
أولاً: إنضاج اللحم
كانت أمهات المؤمنين يضعن اللحم في “القِدْر” (إناء الطبخ من الفخار أو النحاس) مع الماء، ويُترك ليغلي حتى ينضج تماماً ويصبح اللحم ليناً جداً، حيث يسهل نزعه عن العظم، بمرق دسم.

ثانياً: تجهيز الخبز (الفتّ)

السر في تسمية الثريد، مشتق من “ثرد” تعني كسر وفتّ.
،حيث يُؤخذ الخبز (الذي يكون يابساً قليلاً أو طازجاً) ويُقطّع باليد إلى قطع صغيرة جداً (لقيمات)، يُوضع في وعاء كبير يسمى “الصَّحْفَة”.

ثالثاً: “التثريك” (التشريب)
يصب  المرق الساخن فوق الخبز المفتت تدريجياً، يُترك ثوان معدودة ليتشرب حتى يلين تماماً، ويتضاعف حجمه.

رابعاً: التقديم
يُوضع اللحم فوق الخبز المشرّب بالمرق، أحياناً كانت أمهات المؤمنين يضعن قطع القرع (الدباء) حول اللحم.

3. لمسات تميزت بها أمهات المؤمنين
ـبساطة التوابل: لم يكن هناك بهارات معقدة كما اليوم؛ كان الاعتماد على ملح الطعام، وبذور بعض النباتات المحلية، وطعم اللحم الطبيعي.
ـ الإيثار: كانت السيدة عائشة أو السيدة زينب (المعروفة بطول يدها بالصدقة) تصنعان قدراً كبيراً من الثريد لإطعام أهل “الصُّفّة” (فقراء المسلمين) قبل أن يأكل أهل البيت.

4. آداب تناول الثريد في رمضان
كان النبي ﷺ يعلمنا أدباً رفيعاً في أكل الثريد، فكان يقول عليه أزكى الصلاة والسلام :”البركة تنزل في وسط الطعام، فكلوا من حافتيه ولا تأكلوا من وسطه”،لذا كان الاجتماع حول “صحفة الثريد” الواحدة يولد المحبة والبركة بين أفراد البيت.

كان مطبخ أمهات المؤمنين في رمضان يفوح برائحة الزهد والإيمان، أكثر مما يفوح برائحة الطعام، كان التمر ملك المائدة، والشعير رفيق السحر، والماء طهور القلوب.

تعليقات الزوار ( 0 )

اترك تعليقاً