زهرة ـ القاهرة
على سجادات ابتلت بدموع الساجدين وعبرات الشاكرين وأعناق اشرأبت إلى مآذن عانقت سماء القاهرة منذ ألف عام، ينسج الجامع الأزهر كل مغرب في رمضان ملحمة إنسانية لا تشبه سواها، حيث لا نتحدث عن مجرد وجبات إفطار، بل عن ١٠,٠٠٠ حكاية للصائم ، فبين تمرة وسقيا ماء ١٠٠٠روايةتحكى يومياً تحت سقف واحد.
وطن لمن لا وطن له
في صحن الجامع الواسع، تختفي الحدود الجغرافية وتذوب الفوارق العرقية، تجد الطالب الأوزبكي يجاور شقيقه النيجيري، والماليزي يقتسم التمر مع الموريتاني. شباب تركوا الأهل والديار طلباً للعلم، فكان الأزهر لهم الحضن والسكن والسكينة.
آلاف الأيدي المرفوعة بالدعاء قبل الأذان بلغاتٍ شتى، اجتمعت على قلب واحد. لحظة الصمت المهيبة التي تسبق “الله أكبر”، حيث تلهج الألسن بذكر الله، في لحظة تجسد معنى “الأمة” في أبهى صورها.
ملامح من مائدة الألفية
ما يجعل المائدة الرمضانية”جذابة” ليس فقط حجمها الضخم، بل التفاصيل الدافئة التي تملأ الأرجاء، وجوه مشرقة نضرة يخدمون ضيوف مصر وكأنهم يخدمون ملوكاً.
تغريك رائحة الخير “العيش” والبخور الذي يعبق المكان، ورائحة الوجبات الساخنة، ونسمات القاهرة الفاطمية التي تداعب الوجوه المتعبة من صيام يوم طويل.
قد لا يتحدث الطالب الروسي العربية بطلاقة، لكنه يفهم جيداً لغة “التعايش والإخاء”، يفقه شفرتها جيدا.
رسالة إلى العالم من قلب مصر
المائدة اليومية ليست مجرد فعالية خيرية، بل رسالة طمأنينة يرسلها الأزهر الشريف للعالم أجمع؛ أن مصر ستظل دائماً “كنانة الله في أرضه”، وملاذاً لكل غريب، وحضناً يتسع للجميع، مهما اختلفت ألوانهم أو لغاتهم وأعراقهم.
بينما تغيب الشمس خلف مآذن الجامع، ويشرع آلاف الطلبة في تناول إفطارهم، يدرك المرء أن الجمال الحقيقي لرمضان لا يكمن في أصناف الطعام، بل في الشعور الخفي بأننا جميعاًفي بيت الله، بأننا عائلة واحدة في ضيافة الرحمان.
تعليقات الزوار ( 0 )