غزلان السعيدي
في 16 مايو 1993، وجهت الصحفية الفرنسية “آن سنكلير “(Anne Sinclair) في برنامجها الشهير “7 7″، سؤالا مباشرا للملك الراحل الحسن الثاني – رحمه الله – حول مكانة المرأة في المجتمع المغربي، وعن إمكانية رؤية امرأة تتقلد منصب وزيرة أو رئيسة الحكومة المغربية؟
كان السؤال في ذلك الوقت يُمثل اختباراً لمدى جاهزية مجتمع محافظ ،يعض بأعرافه بنواجده ،رؤية امرأة في أعلى منصب قيادي.
واليوم، وبعد مضي أكثر من ثلاثة عقود، يأتي الجواب الملكي الحاسم في 29 شتنبرعام2026، ليُعلن فيه الملك محمد السادس تعيين السيدة فاطمة الزهراء المنصوري رئيسةً للحكومة المغربية،لأول مرة في تاريخ المملكة الشريفة.
لم يكن جواب العاهل المغربي خطوة نحو تمكين المرأة بوزارة أو حقيبة استشارية، بل كان تجسيداً لأقصى درجات السلطة التنفيذية والدستورية في البلاد، وتتويجا لمسار مدروس وتراكمي شهدته المملكة، حيث أسس
المغفور له الملك الحسن الثاني الفكرة وأيدها بفراسة وحكمة حكيم ،فأجرى إصلاحات: تمهيدية لاعتلاء المرأة لمراكز القرار تدريجياً، تلتها الرؤية المجددة لمحمد السادس، حيث مأسس التمكين القانوني والدستوري عبر مدونة الأسرة (2004)، ودستور 2011، الذي أقرّ مبدأ المناصفة والارتقاء بالفصل 47 ليكون الحكم الديمقراطي للانتخابات،فانتقلت المرأة المغربية من الاشتراك الرمزي إلى الاستحقاق الكلي والدستوري لقيادة البلاد، إذ اختزلت محطة 2026 أبعاداً متعددة تتجاوز الرمزية لتلامس الرؤية المتبصرة والاستشرافية لقائد البلاد ـأدام الله عنه ورفعته.
إن الانتقال من سؤال الصحافة الدولية سنة 1993 إلى إعلان القصر الملكي اليوم 2026،بتنصيب فاطمة الزهراء المنصوري الرئيسة الأولى للحكومة المغربية تاريخيا، يُبرهن المغرب على إن الاستثناء مغربيا وإن تاريخه وحاضره ومستقبله يطرز بأيادي رجاله ونسائه مجدا لا يأفل،وإن المغرب يحول الأسئلة إلى حقائق مؤسساتية راسخة تخاطب العالم بلسان الثقة والتميز.
تحول تاريخي في المسار الدستوري: قراءة في أبعاد تعيين فاطمة الزهراء المنصوري رئيسةً للحكومة المغربية
تُشكل نتائج الاستحقاقات التشريعية لـ 23 شتنبر 2026 والتعيين الملكي السامي ل”فاطمة الزهراء المنصوري” رئيسةً للحكومة محطة فارقة في تاريخ المغرب الحديث، ومؤشراً ناضجاً على الارتقاء الملموس بالممارسة الديمقراطية والتنزيل السليم لمقتضيات دستور 2011.
1. الشرعية الدستورية والالتزام بالخيار الديمقراطي
يأتي التعيين الملكي تجسيداً أفقياً لنص وروح الفصل 47 من الدستور، الذي يقضي بتعيين رئيس الحكومة من الحزب الذي يتصدر انتخابات مجلس النواب.
السمو الدستوري: حسم التكليف الملكي التأويلات السياسية عبر الاحترام الدقيق لصناديق الاقتراع وتصدّر حزب الأصالة والمعاصرة بـ 97 مقعداً.
تثبيت المنهجية الديمقراطية: كرس هذا القرار التقاليد المؤسساتية للمملكة في بناء الشرعية التنفيذية على أساس المخرجات الانتخابية المباشرة.
2. تمكين المرأة المغربية: انتقال من الرمزية إلى قيادة السلطة التنفيذية
يُمثل جلوس امرأة على رأس السلطة التنفيذية لأول مرة في تاريخ المملكة قفزة كبرى في مسار النهوض بأوضاع المرأة المغربية.
الرؤية الملكية السامية: يأتي هذا التعيين استكمالاً لورش المناصفة والتمكين السياسي للمرأة، متجاوزاً منطق الكوتا نحو قيادة تدبير الشأن العام والسياسات العمومية.
الامتداد المؤسساتي: يعكس المكاسب التي حققتها المرأة المغربية في مؤسسات حيوية أخرى، على غرار الرئاسة المالية للمجلس الأعلى للحسابات، والموقع الاستشاري الملكي والتنفيذي.
3. مؤهلات القيادة وتحديات هندسة التحالف الحكومي
تستند السيدة فاطمة الزهراء المنصوري في مهمتها الجديدة إلى رصيد مهني وسياسي متكامل يجمع بين الخبرة القانونية، التدبير الترابي المحلي، والتمرس السياسي القيادي.
إضاءة
ازدادت السيدة فاطمة الزهراء المنصوري، التي عينها صاحب الجلالة الملك محمد السادس، نصره الله، اليوم الثلاثاء، رئيسة للحكومة، في الثالث من يناير 1976 بمراكش.
تقلدت منصب وزيرة إعداد التراب الوطني والتعمير والإسكان وسياسة المدينة (2021 – 2026)، حاصلة على شهادة في القانون الأنغلوساكسوني من جامعة بايس الأمريكية، وعلى دبلوم الدراسات العليا في قانون عقود الأعمال من جامعة مونبلييه، والإجازة في القانون الخاص من جامعة محمد الخامس الرباط.
امتهنت المنصوري المحاماة بمراكش منذ 22 مارس 2005،استهلت مسارها السياسي بالانضمام إلى حركة الديمقراطيين سنة 2007، كما كانت عضوا مؤسسا لحزب الأصالة والمعاصرة (2008). و ما بين 2009 و2015، شغلت السيدة المنصوري منصب رئاسة المجلس الجماعي لمراكش.
انتخبت نائبة برلمانية من 2011 إلى 2016. وسبق لها أن تولت رئاسة المجلس الوطني لحزب الأصالة والمعاصرة (2015 – 2024)، وأعيد انتخابها نائبة برلمانية (2016 – 2021).
وتشغل منذ سنة 2024 منصب منسقة القيادة الجماعية لحزب الأصالة والمعاصرة.
اختارتها مجلة (فوربس) سنة 2014، على رأس قائمة 20 امرأة شابة، الأكثر تأثيرا في إفريقيا. كما انتقيت في العام ذاته ، ضمن القادة الشباب العالميين.و عضوا بالجمعية الدولية للعمداء الفرنكفونيين، ونائبة رئيس الجمعية المغربية لرؤساء المجالس الجماعية.
تعليقات الزوار ( 0 )