زهرة
تعد قصة إمبراطورية “أمباني” واحدة من أكثر الحكايات إلهامًا وإثارة في عالم المال والأعمال؛ إذ تجمع بين العصامية الصارمة، والتنافس الأخوي الحاد، ورؤية الاستثمار العابرة للأجيال.
في يوم واحد فقط، أضاف الملياردير الهندي موكيش أمباني إلى ثروته نحو 8.5 مليار دولار، لتقفز ثروته الإجمالية إلى 88.8 مليار دولار ويتصدر قائمة أغنى أثرياء قارة آسيا.
لكن الثروة الأسطورية لم تُولد في ليلة وضحاها، بل بدأت جذورها في أروقة ميناء عدن باليمن.
البداية من الصفر: كفاح الأب “ذيروبهاي”
بعد إنهائه المرحلة الثانوية، سافر الأب ذيروبهاي أمباني إلى ميناء عدن ليعمل موظفًا بسيطًا في شركة تجارية فرنسية تُوزع وقود ودهانات “شيل”. كانت مهمته تزويد السفن بالوقود والتنقل بالقوارب الشراعية نحو الصومال وإثيوبيا لبيع زيوت المحركات.
ولم تكن طموحات ذيروبهاي تقف عند حدود دوامه الذي ينتهي في الرابعة والنصف عصرًا؛ فبينما كان زملاؤه يعودون لبيوتهم، كان هو يتجه صوب الأسواق لمراقبة حركة التجارة، ليبدأ بنفسه تجارة صغيرة في شراء وبيع الأرز والسكر.
في عام 1958، عاد إلى الهند ومعه مدخرات لا تتجاوز 3000 دولار. واستأجر مع ابن عمه غرفة صغيرة بمساحة 33 مترًا مربعًا في بومباي، وأطلق تجارة تصدير التوابل إلى عدن، ثم توسع إلى تجارة الخيوط، حتى أسس أول مصنع نسيج له عام 1966. ومن هنا انطلقت شرارة الإمبراطورية التي بنيت لاحقًا أكبر مجمع لتكرير النفط في العالم بقدرة معالجة تصل إلى 1.4 مليون برميل يوميًا (ما يعادل 1.5% من إجمالي النفط الخام العالمي).
في عام 2002، رحل الأب ذيروبهاي دون أن يترك وصية تُحدد مصير أكبر شركة خاصة في الهند. سرعان ما نشب خلاف حاد بين ولديه موكيش وأنيل تصدر العناوين الرئيسية للصحف.
وفور استمرار النزاع، تدخلت والدتهما عام 2005 لتقسيم التركة: موكيش: حصل على القطاعات التقليدية (النفط، التكرير، والكيماويات)، أنيل: حصل على القطاعات الواعدة (الاتصالات، الكهرباء، والخدمات المالية).
في ذلك الوقت، رجح الجميع كفة أنيل باعتباره الرابح الأكبر؛ فالنفط كان يُنظر إليه كقطاع تقليدي، بينما تمثل الاتصالات والتقنية المستقبل الواعد. وبالفعل، أظهرت الأرقام تقاربًا مذهلاً بينهما بمرور الوقت؛ ففي عام 2008، حل موكيش خامسًا في قائمة فوربس لأغنى أثرياء العالم بثروة 43 مليار دولار، وجاء أنيل سادسًا بثروة 42 مليار دولار بفارق ملياري دولار واحد فقط، متصدرًا أنيل نمو الثروات عالميًا في ذلك العام.
نقطة التحول: زلزال “جيو” وإفلاس أنيل
تضمن اتفاق التقسيم شرطًا يمنع موكيش من دخول سوق الاتصالات، إلا أن هذا الشرط أُلغي عام 2010. وفي عام 2016، أطلق موكيش ضربته القاضية بتأسيس شركة الاتصالات “جيو” (Jio).
اتبع موكيش استراتيجية هجومية شرسة قائمة على تقديم خدمات الإنترنت والاتصالات مجانًا لعدة أشهر. وخلال 170 يومًا فقط، جذب 100 مليون مشترك (بمعدل 7 مشتركين في الثانية الواحدة). أدت هذه الخطوة إلى إعادة تشكيل السوق الهندي بالكامل؛ حيث تراجع عدد المشغلين من 10 شركات إلى 4 شركات فقط.
وكان شقيقه أنيل أبرز الضحايا لهذا التغيير؛ إذ أغلقت شركته خدمات الـ2G عام 2017، وأعلنت إفلاسها عام 2019. وفي اللحظات الأخيرة من مهلة قضائية كانت تتهدده بالسجن لصالح شركة “إريكسون” السويدية، تدخل أخوه الأكبر موكيش وسدد ديونه لينقذه من السجن. لكن تراكم الديون أدى في النهاية لأن يعلن أنيل أمام المحكمة أن صافي ثروته أصبح صفراً.
المفارقة الكبرى بين الأخوين امباني
الأخوان اللذان قسمت التركة بالتساوي بينهما ، أصبحت بينهما اليوم فجوة لن تضيق، فموكيش أمباني يربح مليارات الدولارات في يوم واحد، وتبلغ قيمة شركة الاتصالات جيو—التي أنشأها من الصفر—نحو 137 مليار دولار بعد طرحها في البورصة كأكبر اكتتاب عام في تاريخ الهند، أما أنيل أمباني انتهى به المطاف بخسارة كل شيء، ليخرج من سباق الثروة صفر اليدين.
تعليقات الزوار ( 0 )