رواية "ذاكرة لاتصادر" للمفكر المغربي عبد المجيد طعام.. حينما تهتز العروش بمذكرات جارية - مجلة زهرة
مساحة اعلانية

رواية “ذاكرة لاتصادر” للمفكر المغربي عبد المجيد طعام.. حينما تهتز العروش بمذكرات جارية

كتبه كتب في 26 أكتوبر 2026 - 6:16 م
قطائف أدبية مشاركة
مساحة اعلانية

زهرة

حين يصبح النسيان برزخا والذاكرةُ مقصمة تطيح بعروش المستبدين، تتساءل الأقلام الشجاعة عن حدود الحرية التي تبني الإنسان لبنة لبنة، وعن وعس العبودية التي تكبل الفكر بالأصفاد، فيتحول القرطاس إلى وثيقة للمقاومة.

في هذا الحوار الشائق تسربلت مجلة الزهرة بلقاء ماتع مع الروائي المغربي و المفكر عبد المجيد طعام، بمناسبة صدور عمله الروائي الجديد “ذاكرة لا تُصادَر”.

يأخذنا اللقاء في رحلة ٱسرة في عوالم الرواية وأسئلتها الكبرى؛ حيث تتشابك الذاكرة بالعبودية والأمية بالحرية، ويتدثر التاريخ بأسئلة “المهمشين” و”المنسيين”، ويلتحف الدرويش بضنك العيش و الثري بدثار التسلط،  فيتجاوز الحوار السرد الأدبي، ليغوص في فلسفة المقاومة الهادئة، وكيف يمكن لجارية صغرى أن تمحو قانون الجبروت بمذكرات حالكة الظلمة إلى ثريا تضئ العتمة.

حوار يفتح الباب على مصراعيه لأسئلة الوجود، والهوية والكتابة، وكرامة الإنسان.

لنتفيأ معا ـقراءنا الأفاضل ـ بقطائف المنجز الروائي الجديد “لاتصادر الذاكرة”للروائي” العتيد عبد المجيد طعام”ونكتشف دهاليزه وأسراره وطلاسمه ونرتشف معا  شهد الحرية والذاكرة التي لاتصادر.

ـ  الأستاذة غزلان السعيدي :جنينة مجلة زهرة هشة بشة بتشريف المفكر المغربي “عبد المجيد الطعام “لها، في يوم فاحت فيه عطر أسئلة شائكة…نبارك لحضرتك الوليد الروائي الجديد ” ذاكرة لاتصادر” .

ـ الروائي عبد المجيد طعام : بداية، أتوجه بخالص الشكر إلى الأستاذة غزلان السعيدي على دعوتها الكريمة لإجراء هذا الحوار بمناسبة صدور روايتي “ذاكرة لا تُصادَر”، ومن خلالها، أشكر جميع أفراد الطاقم المشرف على مجلة الزهرة، هذه المجلة الشامخة والصامدة، التي تواصل أداء رسالتها الثقافية والإعلامية بإصرار يستحق التقدير، كما يسعدني أن يكون هذا اللقاء فرصة للحديث عن روايتي”ذاكرة لاتصادر”، وعن الأسئلة التي تسكنها، أسئلة الذاكرة والحرية، وعن الإنسان الذي يحاول أن يحمي ما تبقى من وجوده حين يصبح النسيان قدرا مفروضا عليه.

ـ الأستادة غزلان السعيدي :  وسمتم روايتكم الثانية “ذاكرة لا تُصادَر”. ما تعني لك الذاكرة هنا؟ وهل العنوان إعلان عن مقاومة النسيان، أم عن استحالة امتلاك الماضي ومصادرته؟

ـ الروائي عبد المجيد طعام : الذاكرة في روايتي ليست مجرد خزان للماضي. إنها آخر ما يمتلكه الإنسان حين يفقد كل شيء. قد تصادر السلطة الجسد والأرض والحرية، لكنها لا تستطيع بسهولة مصادرة ما ترسب في أعماق الوعي، العنوان يحمل المعنيين معا. إنه رفض للنسيان، ورفض لتحويل الماضي إلى ملكية خاصة لمن يمتلك القوة. فالإنسان الذي يتذكر، يظل قادرا على مساءلة من يريدون كتابة تاريخه نيابة عنه.

– الأستاذة غزلان السعيدي : من الذي يصادر الذاكرة في رواية “ذاكرة لاتصادر”؟ هل التاريخ، أم المجتمع، أم الزمن نفسه؟ أم أن الإنسان قد يصبح شريكا في مصادرة ذاكرته حين يقبل النسيان ويتنازل عن هويته وكيانه؟

الروائي عبد المجيد الطعام  :المصادرة في الرواية لا يمارسها السلطان وحده،  هناك سلطة التاريخ، وسلطة العادات التي تجعل الخضوع أمرا طبيعيا. لكن أخطر المصادرات تبدأ حين يستبطن الإنسان خطاب السلطة، ويقتنع بأن صمته فضيلة ونسيانه ضرورة. فالاستبداد لا ينتصر فقط عندما يُسكت الإنسان، بل عندما يخشى صوته الداخلي.

الأستاذة غزلان السعيدي :لكن هل تستطيع الذاكرة فعلا أن تقاوم السلطة والتاريخ والثقافة؟ وماحدود قوتها؟

الروائي عبد المجيد الطعام  : الذاكرة لا تمتلك جيوشا ، لكنها تمتلك شيئا ٱخر يخشاه السجان،  في الرواية تقاوم ليلى السلطان بدفتر صغير. ومع ذلك، لا أقدم الذاكرة باعتبارها قوة مطلقة. قد تتشوه، وقد تنهزم أمام الخوف. قوتها تبدأ حين تتحول من مجرد تذكر صامت إلى وعي نقدي، ومن تجربة فردية إلى شهادة يتقاسمها الآخرون.

الأستاذة غزلان السعيدي : إذن ما علاقة ما علاقة الذاكرة بالتاريخ؟ وهل الذاكرة رواية شخصية للماضي، أم ذاكرة جماعية، تنضج ،فاكتب التاريخ من خارج أسوار الرواية الرسمية؟

– الروائي عبد المجيد طعام:: أحاول في الرواية مساءلة التاريخ من خلال الذاكرة، فالتاريخ الرسمي ينشغل غالبا بالسلاطين والحروب والفتوحات، بينما تحتفظ الذاكرة بوجوه عاشت أحداث ما ودفع ا ثمنها غاليا. ليلى لا تكتب تاريخ القصر كما يريده السلطان، بل كما عاشته الجواري والخادمات، إنها محاولة لكتابة التاريخ من أسفل الهرم، حيث توجد حياة كاملة لا تعترف بها سجلات المنتصرين.

ـ الأستاذة غزلان السعيدي : إذا كان التاريخ تكتبه المؤسسات والقوى المنتصرة، فهل تستطيع الذاكرة الفردية والجماعية أن تقدم رواية مضادة؟ ومن يملك في النهاية حق تحديد ما يجب أن نتذكره وما يجب أن ننساه؟

الروائي عبد المجيد طعام  : بالتأكيد تستطيع، الرواية المضادة لا ينبغي أن تتحول بدورها إلى حقيقة مقدسة. لا أحد يمتلك حق احتكار الماضي، لا السلطة ولا ضحاياها. الذاكرة الجماعية تتشكل من أصوات متعددة، ومن شهادات قد تتناقض أحيانا. لذلك أؤمن بأن التاريخ العادل ليس الذي ينتصر لرواية واحدة، بل الذي يسمح للروايات المقموعة بأن تتكلم. فاحتكار الذاكرة شكل آخر من أشكال احتكار السلطة.

ـ الأستاذة غزلان السعيدي : هل الذاكرة أكثر صدقا من التاريخ، أم أنها قابلة للتلاعب والانتقاء وإعادة بناء الماضي؟

الروائي عبد المجيد طعام : لا أعتقد أن الذاكرة بريئة دائما. نحن لا نتذكر الماضي كما وقع بالضرورة، بل كما بقي داخلنا. الخوف والحب والندم قد يعيدون تشكيل الأحداث. وهذا ما تكتشفه ليلى عندما تبدأ في الشك في كتاباتها وأحكامها على الآخرين. فالذاكرة ليست نقيضا آليا للكذب الرسمي. إنها شهادة تحتاج هي الأخرى إلى النقد. والصدق يشرع شرفاته، حين نعترف بأننا لا نمتلك الحقيقة كاملة.

ـ الأستاذة غزلان السعيدي : هل للذاكرة سلطة أمام التاريخ والثقافة؟ أم أن السلطة الحقيقية تؤول لمن يمتلك أدوات كتابة التاريخ وصناعة الثقافة؟

الروائي عبد المجيد الطعام  : السلطة تمتلك أدوات فرض الرواية الرسمية، لكنها لا تمتلك بالضرورة القدرة على جعلها حقيقة. يمكنها أن تطبع الكتب، وتبني التماثيل، وتحدد ما يدرس في المدارس. لكنها لا تستطيع ضمان تصديق الجميع. في روايتي، يمتلك السلطان القصر والحراس وكتاب الديوان، بينما تمتلك ليلى دفترا صغيرا. المفارقة أن ما كتبه السلطان لتمجيد نفسه قد يزول، بينما تبقى شهادة امرأة أراد محو صوتها.

الأستاذة غزلان السعيدي : متى تتحول الذاكرة من مجرد استعادة للماضي إلى فعل مقاومة؟

 الروائي عبد المجيد طعام : تصبح الذاكرة مقاومة عندما ترفض الخضوع للرواية المفروضة. التذكر في حد ذاته ليس ثورة، لكنه قد يكون بدايتها. حين تكتب ليلى ما شاهده الجميع وأنكره كتاب البلاط، فإنها تمارس عصيانا هادئا. لا ترفع سيفا، ولا تقود جيشا. لكنها ترفض أن تمنح الظلم شرعية النسيان. أحيانا تكون أخطر أشكال المقاومة أن تقول: لقد حدث هذا، ولن أسمح بمحو أثره.

الأستاذة غزلان السعيدي: متى تُصادَر الذاكرة؟ هل نحن الفاعل أم المفعول به  في عملية المصادرة، حين نختار النسيان أو الصمت، أم أننا المفعول به حين يُفرض علينا النسيان؟

ـ الروائي عبد المجيد طعام :تُصادَر الذاكرة عندما يفقد الإنسان حقه في رواية تجربته. وقد يحدث ذلك بالقوة، أو الخوف، أو بالصمت الطويل. نحن أحيانا ضحايا النسيان المفروض، وأحيانا نشارك في إنتاجه حين نفضل السلامة على الحقيقة. لكن ينبغي التمييز بين الصمت الذي يفرضه القمع، والصمت الذي يتحول إلى قبول به. فليس كل صامت متواطئا، وليس كل متكلم حرا.

الأستاذة غزلان السعيدي : هل نلبس  النسيان قلنسوة الخيانة ؟ أم أن هناك أحيانا ذاكرة ينبغي أن نتخلص من سطوتها حتى نستطيع الاستمرار في الحياة؟

الروائي عبد المجيد طعام  : ليس كل نسيان خيانة، كما أن التذكر ليس دائما فضيلة. الإنسان يحتاج أحيانا إلى تخفيف ثقل الماضي حتى يستطيع العيش. لكن هناك فرق  بين تجاوز الألم ومحو الحقيقة. الأول قد يكون ضرورة إنسانية، أما الثاني فقد يتحول إلى خدمة مجانية للظلم. لا أدعو في الرواية إلى العيش أسرى للذاكرة، بل إلى التصالح معها دون التنازل عن حقنا في معرفة الحقائق.

الأستاذة غزلان السعيدي : إذا كانت الذاكرة  تمنحنا الإحساس باستمرار الذات، فماذا يبقى منا عندما تستشيط ذاكرتنا؟

الروائي عبد المجيد الطعام  : الإنسان أكثر من مجموع ذكرياته، لكنه لا يستطيع فهم نفسه بمعزل عنها. نحن أيضا ما نحلم به، وما نرفضه، وما نحاول أن نصبحه. وحين تتشظى الذاكرة، لا يختفي الإنسان بالضرورة، بل تتصدع حكايته عن نفسه، هنا يأتي دور الآخرين، الحب، اللغة، الكتابة في إعادة وصل ما انقطع. فالهوية ليست حجرا ثابتا، إنها بناء مستمر.

الأستاذة غزلان السعيدي : في روايتكم “ذاكرة لا تصادر”، هل الذاكرة وسيلة للعودة إلى الماضي أم وسيلة لفهم الحاضر؟ وهل نكتب الماضي لأننا عاجزون عن مغادرته، أم لأن الحاضر لا يمكن فهمه من دونه؟

الروائي عبد المجيد طعام : أكتب الماضي لكي أفهم الحاضر، لا لكي أهرب إليه. فالاستبداد قد يغير ملابسه وأسماءه، لكنه يحتفظ أحيانا بالآليات والندوب نفسها. السلطان في الرواية ليس مجرد شخصية تنتمي إلى زمن بعيد، وإنما  سؤال عن طبيعة السلطة وحدودها. والذاكرة هنا ليست حنينا إلى ما مضى، بل أداة لفهم ما يستمر في الحاضر من علاقات الخضوع والخوف والمقاومة.

الأستاذة غزلان السعيدي : إذن من سيفوز في معركة الحياة: الذاكرة، أم القلم، أم الذكريات؟ وهل الكتابة محاولة لإنقاذ الذاكرة من الموت، أم أنها شكل آخر من أشكال إعادة اختراعها؟

الروائي عبد المجيد طعام  :لا أرى صراعا بين الذاكرة والقلم والذكريات. إنها أطراف في معركة واحدة ضد العدم. الذاكرة تحتفظ بالأثر، والذكريات تمنحه ملامح إنسانية، والقلم يحاول أن يمنحك حياة تتجاوز صاحبه. لكن الكتابة ليست تصويرا آليا للماضي. إنها تعيد تشكيله وتمنحه معنى جديدا. وفي الرواية، لم تنقذ ليلى ذكرياتها فقط. أنقذت نفسها من أن تتحول إلى مجرد رقم في تاريخ السلطان.

الأستاذة غزلان السعيدي : عندما تتحول الذاكرة إلى كتابة، هل تنفيذها من النسيان، أم أننا صنعنا منها ذاكرة جديدة لم تعد مطابقة لما حدث فعلا؟

الروائي عبد المجيد طعام  : نفعل الأمرين معا. الكتابة تحفظ شيئا من الماضي، لكنها تعيد بناءه باللغة. وهذا ليس بالضرورة خيانة للحقيقة. فالحدث شيء، والمعنى الذي نمنحه له شيء آخر. ليلى نفسها تكتشف أن القلم لا ينقل الواقع ببراءة، وأن اختيار ما نكتبه وما نسكت عنه يحمل سلطة خفية. لذلك لا تكمن أمانة الكاتب في ادعاء امتلاك الحقيقة، وإنما في وعيه بحدود شهادته.

الأستاذة غزلان السعيدي : إذن الكتابة في هذا السياق   في هذا السياق، فعلا من أفعال المقاومة؟

الروائي عبد المجيد طعام : نعم، لكنها ليست مقاومة النسيان وحده. إنها مقاومة تحويل الإنسان إلى شيء قابل للامتلاك والمحو. تبدأ ليلى رحلتها جارية لا تملك حتى حق تقرير مصيرها، لكنها تكتشف في الكتابة مساحة للحرية. وما يهمني هنا أن المقاومة ليست دائما حدثا صاخبا. أحيانا تبدأ بحرف تتعلمه صبية في الخفاء، وبشهادة تكتبها رغم الخوف. فالكلمة قد تكون أول شرخ في جدار الاستبداد.

الأستاذة غزلان السعيدي : إذن نستخلص وظيفة الأدب الكامنة في حفظ الذاكرة ! وما الذي يستطيع الروائي أن يسرده حين تعجز الوثيقة التاريخية عن توثيق الحقيقة كاملة؟

الروائي عبد المجيد طعام : الأدب لا يحل محل التاريخ، ولا ينبغي أن يدعي ذلك. لكنه يستطيع الاقتراب من المساحات التي تصمت عنها الوثيقة. المؤرخ يبحث عن الوقائع والأدلة، أما الروائي فيحاول استكشاف التجربة الإنسانية داخل تلك الوقائع. يستطيع أن يمنح صوتا لمن غابوا عن السجلات، دون أن يدعي أن تخييله وثيقة تاريخية. الرواية لا تقدم الحقيقة كاملة، لكنها تجعلنا نشك في اكتمال الحقيقة التي تقدم لنا.

ـ الأستاذة غزلان السعيدي روايتك الأولى “ظلال ثيسيوس – سيرة حب ممنوع” رواية فلسفية، بينما تقدم “ذاكرة لا تُصادَر” فلسفة أخرى . ما الذي تغير في مشروعك الروائي بين العملين؟ وهل انتقلت من سؤال الحب الممنوع إلى سؤال الذاكرة التي لا يمكن مصادرتها؟

ـ الروائي عبد المجيد طعام: : أعتقد أن السؤال الجوهري لم يتغير كثيرا. إنه سؤال حرية الإنسان في مواجهة ما يفرض عليه. في “ظلال ثيسيوس” اقتربت من هذا السؤال عبر الحب وحدوده ومحظوراته. أما في “ذاكرة لا تُصادَر” ، فقد اتسع ليشمل الذاكرة والتاريخ والسلطة. انتقلت من مساءلة ما يمنع الإنسان من أن يحب، إلى مساءلة ما يمنعه من أن يتذكر ويحكي. وفي الحالتين، يظل الصراع قائما بين الفرد والقوى والقيم  التي تريد تحديد مصيره.

ـ الأستاذة غزلان السعيدي : هل تمثل “ذاكرة لا تُصادَر” امتدادا لمشروعك في جعل الرواية فضاء للتفكير الفلسفي، أم أنكم حاولتم هذه المرة أن تجعل الفلسفة أكثر غموضا داخل الحكاية؟

الروائي عبد المجيد الطعام  : أرى أن الفلسفة ليست زينة نضيفها إلى الرواية. إنها طريقة في النظر إلى الإنسان والعالم. في هذا العمل حاولت أن أجعل السؤال الفلسفي ينشأ من التجربة نفسها. من خوف ليلى، وصمت أمينة، وجبروت السلطان، ومن قلق الكتابة والحقيقة. لا أريد للشخصيات أن تكون مجرد أفكار تتحرك. أريدها بشرا يعيشون ويتناقضون ويخطئون. فالرواية الجيدة لا تقدم أجوبة فلسفية جاهزة، وإنما تجعل القارئ يفكر في جوهر الحكاية.

ـ الأستاذة غزلان السعيدي : إذا كان الموت يصادر الجسد، والزمن يصادر الحاضر، والنسيان يصادر الماضي، فما يتبقى من الإنسان غير اشلاء ،كنت ذات يوم هنا! وهل تستطيع الرواية أن تكون آخر ملجأ لذاكرة مهددة بالمصادرة؟

ـالروائي عبد المجيد طعام  : يبقى الأثر. تلك القدرة الإنسانية العجيبة على ترك شيء يتجاوز حدود الجسد والزمن. قد يكون الأثر كلمة، أو فكرة، أو موقفا، أو حكاية يرويها شخص لآخر. في “ذاكرة لا تُصادَر”، لم تكن ليلى تحلم بالخلود. كانت ترفض أن يمر وجودها وكأنه لم يكن. وهنا تكمن في اعتقادي، إحدى أجمل وظائف الرواية: أن تمنح المنسيين فرصة ثانية للوجود. فالموت قد ينهي الحياة، لكنه لا يملك دائما الكلمة الأخيرة في حكايتها.

ـالأستاذة  غزلان السعيدي :في الواقع توارى الزمن خلف رواية “ذاكرة لا تصادر” على أديم حكاية كل”ليلى” في حياتنا في أساطيرنا ، في مجالسنا في أحاديثنا في خلواتنا مع ذواتنا ، هناك في دهاليز الرواية وبين فصولها يشع شفق من نور يضيئ الغسق ،فيعلن مراسم الحرية ويحطم تماثيل العبودية، شكرا حضرة المفكر” عبد المجيد طعام”على الرحلة الشائقة التي جعلت رواية “ذاكرة لا تُصادَر” مسرح حياة تتقاطع على ركحه أسئلة العبودية والذاكرة والهوية، لينبلج ذاك الصراع السرمدي من كوة الوعي والمقاومة.

ـ الروائي عبد المجيد طعام : أجدد شكري للأستاذة غزلان السعيدي، وللأستاذة صونية السعيدي، ولكل القائمين على مجلة الزهرة، على إتاحة هذه المساحة للحوار. أتمنى أن يجد القارئ في “ذاكرة لا تُصادَر” أكثر من حكاية جارية في قصر سلطان. أتمنى أن يجد فيها شيئا من أسئلته، عن الحرية والخوف والكرامة والذاكرة… لم أكتب الرواية لأقدم درسا في التاريخ أو السياسة، وإنما لأطرح سؤالا بسيطا ومقلقا: ماذا يبقى من الإنسان حين تنتزع منه  كل شيء، حتى حقه في رواية ما عاشه؟ ربما لا تمنحنا الرواية جوابا نهائيا. لكنها تذكرنا بأن التاريخ لا تصنعه أصوات المنتصرين وحدهم، وأن الذين عاشوا في الظل لهم أيضا حق في التذكر والتعبير. فالذاكرة التي تستحق أن تبقى ليست تلك التي ترفض النسيان فقط، وإنما تلك التي ترفض أن يتحول النسيان إلى قانون تفرضه القوة.

هكذا أخذتنا  رواية “ذاكرة لا تُصادَر” إلى غياهب عالمٍ طالما طُوِيَ في الظل والعتمة ؛ عالمٍ تتشابك فيه الأقدار بالجبروت، فتتحول الأرواح البشرية إلى سلع تباع وتشترى في سوق النخاسة.

لكن من غسق براءة طفلة لا تتجاوز الثانية عشرة من خريفها، تنبثق ذاكرة امرأة لتسرد رحلة أليمة، تمتد من طفولة موؤودة إلى فجر الوعي والمقاومة، عبر سردٍ شجيٍّ ومشوّق يضيء العتمة، ويُعيد إشعال الأسئلة الكبرى حول الحرية، والكرامة، ووجدان الإنسان في مواجهة الأخر الذي سلب براءته وحريته ،إلا ذاكرته.

رواية “ذاكرة لا تصادر”  ذاكرة تأبى الرضوخ للنسيان، وشهادةٌ سيدة صامدة تعض بنواجدها على جمر الحلم.

تعليقات الزوار ( 0 )

اترك تعليقاً