السنة الأمازيغية.. من شموخ شيشناق إلى نبض"تامازغا" - مجلة زهرة
مساحة اعلانية

السنة الأمازيغية.. من شموخ شيشناق إلى نبض”تامازغا”

كتبه كتب في 14 يناير 2026 - 10:32 م
عبق التراث مشاركة
مساحة اعلانية

زهرة

على إيقاع حوافر خيول الملك الأمازيغي ‘شيشناق’ التي هزت ضفاف النيل، ومن صدى أهازيج الجدات في أعالي جبال جرجرة والأطلس، يشرق فجر ‘ينّاير’ من جديد. إنه ليس مجرد تاريخ في تقويم، بل هو إعلان عن انبعاث أمة، واحتفاء بأرضٍ لا تزال تنبض بهوية ‘تامازغا’ العصية على النسيان.

يطل شهر “يناير” كعروسٍ تتزيّن بوشاحِ التاريخ العريق، لتعلن بداية سنةٍ أمازيغية جديدة (ناير)،نبضُ الأرض، ورائحة الأجداد، وصوتُ “تامازغا” الذي يتردد صداه من واحة سيوة شرقاً إلى شواطئ الأطلسي غرباً.

ينّاير: عرسُ الأرض وانبعاثُ الهوية

عندما ترتدي الجبالُ سلهامها المزركش بالثلوج، وتستعدُّ السهولُ لاستقبال أولى قطرات الغيث، يجتمع المغاربيون حول “كانون” الدافئ للاحتفال بليلة “قاس بوقس” أو “ليلة يناير”.

إنها اللحظة التي يتصالح فيها الإنسان مع الطبيعة، معلناً عن بداية السنة الفلاحية الجديدة ، فألا يضرب جذوره في عمق التاريخ لأكثر من 2970 عاماً.

أسرار التاريخ: الإنتصار وبركة الأرض

تتأرجح أصول الاحتفال بين روايتين تزيدانه غموضاً وسحراً:

الرواية التاريخية: تعيد الاحتفال إلى ذكرى انتصار القائد الأمازيغي “شيشناق” على الفراعنة واعتلائه عرش مصر عام 950 قبل الميلاد، ليؤسس الأسرة الثانية والعشرين.

الرواية الأنثروبولوجية: تربط الاحتفال بـ “السنة الفلاحية”، حيث يعتبر الأمازيغ أن الموسم مفصلٌ زمني يحدد مصير المحصول، فكان الاحتفال استدراراً للبركة وطردًا للقحط.

طقوس الاحتفال: مائدةٌ تجمع الأهل والأرض

تتنوع طقوس الاحتفال بالسنة الأمازيغية في الأقطار المغاربية، لكنها تشترك في “رمزية الوفرة”:

في المغرب (إيد نّاير): يتصدر “تاغلا” (عصيدة) أو “كسكس بسبع خضار” المائدة المغربية، تضع ربات البيوت وسط الطبق “أغرمي” (نواة تمر أو لوزة)، ومن يجدها يلقب بـ “أسعدي” (المحظوظ) ويُسلم مفاتيح المخزن كرمزٍ للبركة.

في الجزائر (سبيبة وشرشم): في منطقة القبائل والأوراس، تُذبح الذبائح (إيغرس) لإراقة الدم كفدية للأرض، ويُحضر طبق “الشرشم” (قمح وحمص مغلي) وطبق “الرشتة” أو “الكسكسي بالدجاج”.

في تونس وليبيا: لا تغيب “العصيدة” المحلاة بالعسل أو السمن، وفي بعض المناطق التونسية تُكسر “القِلال” القديمة كرمزٍ للتخلص من الحظ السيء استقبالا لعامٍ جديد.

في موريتانيا: يحضر البعد الثقافي الأمازيغي في الذاكرة الشعبية، من خلال تبادل التهاني والاحتفاء بالقيم المشتركة التي تربط “البيظان” بجذورهم الأمازيغية القديمة.

في مصر (واحة سيوة): يحضر “الكسكسي السيووي” بالسمن البلدي، وتتردد الأغاني السيوية القديمة التي تمجد النخلة والأرض، فخراً بالانتماء لجذور الملك شيشناق.

المعتقدات والخرافات: “عجوز يناير” وحلم الوفرة

تحفُّ طقوس الاحتفال بالسنة الأمازيغية الجديدة أساطيرُ تتوارثها الأجيال كابرا عن كابر منها:

ـ أسطورة “عجوز يناير”: تحكى قصة عجوزٍ استهانت بقوة الطبيعة، فاستعار “يناير” يوماً من “فبراير” (يسمى يوم القرّة) ليعاقبها ببردٍ شديد. لذا، يحرص الناس على كرم الضيافة لتجنب غضب الطبيعة.

قص الشعر والزواج: يُعتقد أن قص شعر الأطفال لأول مرة في هذا اليوم يجلب لهم طول العمر والرزق، كما تُقام “أعراس يناير” تفاؤلاً ببدايةٍ مباركة.

تجديد الأثاث: من العادات المزعومة  تغيير “أثافي” الموقد (الأحجار الثلاثة التي يوضع عليها القدر) كإعلانٍ عن تجديد طاقة البيت ونبذ كل قديم وبئيس.

هوية تجمع ولا تفرق

إن الاحتفال برأس السنة الأمازيغية في بلدان المغرب الكبير ليس مجرد فولكلور، بل إعلانٌ صريح عن وحدة المصير الجغرافي والثقافي، يومٌ تلتقي فيه لغاتنا بلكناتها المختلفة لتشكل فسيفساء واحدة، عنوانها “الأرض” ولغتها “الجمال” وعقدها الوفرة .

المائدة في بداية السنة الأمازيغية 

تعتبر المائدة في بداية السنة الأمازيغية (ينّاير) “بياناً للوفرة”، حيث يعتقد الأمازيغ أن إعداد أصناف عديدة من  الماكولات في هذا اليوم يضمن امتلاء المخازن طوال السنة. إليك تفاصيل أشهر الوصفات التقليدية في أقطار المغرب الكبير:

1. الكسكس بسبع خضار (المغرب والجزائر)

الكسكس ملك المائدة، والرقم “سبعة” يرمز للوفرة والبركة في الأرض.

المكونات: قمح ،لحم (دجاج أو غنم)، والسبع خضار (جزر، لفت، قرع أحمر، قرع أخضر، ملفوف، بصل، حمص/فول).

 السر الأمازيغي: يوضع في وسط طبق الكسكس(ي) “أغرمي” (نواة تمر أو لوزة) ،فيتحلق أفراد الأسرة حولها، ومن وجد النواة أثناء الأكل يُعلن “مبارك العام”، ويُعتقد أن الحظ سيرافقه طوال السنة، وفي بعض المناطق يُسلم مفاتيح “الخزين”.

لحظة تقديم “الكسكسي” أو “الشرشم”:

تضع الجدة يدها فوق القصعة وتقول بصوتٍ منخفض:

“باسم الله، بركة الله، يا الأرض كولي ووكلّينا، يا السماء صبّي وروّينا، يا ربي لا تحرم جائع، ولا تخيّب طامع.”

ثم تلتفت للأبناء قائلة: “كلوا وشبعوا، راه اللي شبع اليوم، يشبع العام كامل.”

2. طبق “الشرشم” (الجزائر وتونس ليبيا)

طبق ضارب في القدم، يعتمد على الحبوب الكاملة التي ترمز لبداية الموسم الفلاحي.

المكونات: قمح صلب مفسوخ، حمص، فول جاف، عدس، وقد يضاف إليه “القديّد” (لحم مجفف).
طريقة التحضير: تُنقع الحبوب ليلة كاملة، ثم تُغلى في الماء مع القديد والتوابل (رأس الحانوت، فلفل أحمر، ثوم) حتى تنضج تماماً وتصبح كثيفة القوام.
الرمزية: تماسك الحبوب مع بعضها يرمز لوحدة العائلة وتماسك أفراده.

3. “تَاغْلا” أو العصيدة (المغرب والمناطق الجبلية)

تعتبر  “تاغلا’ من أقدم الأطباق الأمازيغية المرتبطة بالأرض.

 المكونات: دشيشة الشعير (البلبولة)، ماء، ملح، سمن بلدي، وعسل أو زيت أركان.

طريقة التحضير: يُطبخ الشعير في الماء المملح مع التحريك المستمر بملعقة خشبية كبيرة تسمى “أسرغين” حتى يتماسك الخليط ويصبح عجينة لينة وقوية.
التقديم: توضع في قصعة خشبية، ويُجوف وسطها ليوضع فيه السمن والعسل. يجتمع حولها أفراد العائلة ويأكلون من الجوانب باتجاه المركز.

4. طبق “أوركيمن” (سوس – المغرب)

حساء غني جداً بالطاقة يُحضر خصيصاً لهذه الليلة في منطقة سوس.
المكونات: يجمع بين “سبع حبوب” (قمح، ذرة، شعير، عدس، حمص، فول، فاصوليا) مع “كوارع الغنم” (او مقادم الغنم ).

طريقة التحضير: يُطهى الكل على نار هادئة جداً (غالباً على الفحم) ليلة كاملة حتى تذوب الحبوب وتختلط بمرق اللحم الدسم، مما يعطي قواماً مخملياً ونكهة قوية.

5. “سبيبة” و”الرفيسة” (المناطق الصحراوية وموريتانيا)

في بعض المناطق، يُفضل تحضير الأطباق التي تعتمد على العجين المفتت.
الرفيسة: تعتمد على “المسمن” أو “التريد” المقطع قطعاً صغيرة، ويُسقى بمرق الدجاج البلدي مع الكثير من البصل والعدس و”المساخن” (أعشاب)، لتدفئة الجسم في ليالي يناير الباردة ومنح الطاقة للفلاحين.

6. طبق “أفتال” (ليبيا وتونس)

يشبه الكسكسي، لكن حباته تكون أكبر حجماً، يُطبخ مع البقوليات المجففة واللحم المملح، في تونس تحرص العائلات على طبخ “الملوخية” في الأيام التي تلي يناير تيمناً باللون الأخضر لسنة خضراء مليئة بالخصب.

أسرار مائدة يناير:

 يُمنع كنس البيت ليلة يناير “حتى لا يطرد أهلها الرزق”.
إطعام الطيور: يُوضع القليل من كل طبق فوق أسطح المنازل لتأكل منه الطيور، لتعم البركة على كل الكائنات.
اللحم: يجب أن يُذبح في كل بيت “ديك” أو “شاة” حسب الاستطاعة، لإسالة الدم تقرباً وحماية للبيت.

 أطباق “ينّاير” تختصر حكاية الأرض والصمود في جبال سوس وأوراس الجزائر.

طبق “أوركيمن” السوسي (جوهرة الجنوب المغربي) وجبةاحتفالية” تستغرق ليلة كاملة من الطهي الهادئ.

المقادير:
الحبوب السبعة (كأس من كل نوع): (قمح صلب، شعير، ذرة، حمص، فول جاف، عدس، فاصوليا بيضاء).
اللحم: “كوارع” الغنم أو البقر (الأرجل) –  لإعطاء القوام الهلامي (الجيلاتيني) للطبق.
التوابل: ملح، فلفل أسود، زنجبيل، كركم، والقليل من “المساخن” (رأس الحانوت المغربي).
الإضافات: زيت أركان (اختياري للتقديم)، بصلة مفرومة، فصوص ثوم كاملة.
طريقة التحضير:
يجب نقع الحبوب (خاصة القمح والحمص والفول والذرة) في الماء ليلة كاملة قبل الطهي.

في طنجرة كبيرة (يفضل من الفخار)، نضع “الكوارع” مع البصل والثوم والتوابل والماء الوفير ونتركها تنضج على الفحم .
تُضاف الحبوب بالتدريج (نبدأ بالتي تتطلب وقتاً أطول كالقمح والذرة، ثم البقية).
الطهي الهادئ: يترك الطبق على نار هادئة جداً (أو على الفحم “المجمر”) لعدة ساعات (من 4 إلى 6 ساعات).  لتذوب الحبوب وتختلط بمرق الكرعين حتى يصبح المرق كثيفاً.
التقديم: يُقدم “أوركيمن” ساخناً في “قصعة” خشبية، ويُصب فوقه خيط من زيت أركان .

ثانياً: طبق “الشرشم” الجزائري (رمز الخصوبة والبركة)

طبق بسيطة مكوناته، لكنه غني جداً في رمزيته وتاريخه.
المقادير:
المكون الأساسي: 500 غرام قمح صلب (مفسوخ أو مقشر).
البقوليات: 200 غرام حمص، 200 غرام فول جاف.
اللحم: قطعة من “القديد” (لحم مجفف ومملح) أو “الخليع” لإعطاء نكهة تراثية.
التوابل: ملح، فلفل أحمر حار (عكري)، كمون بلدي، رأس الحانوت، وثوم مفروم.
الدهن: ملعقة كبيرة من السمن الحار أو زيت الزيتون.
طريقة التحضير:
يُنقع القمح والحمص والفول في الماء لمدة 24 ساعة مع تغيير الماء مرتين.
نضع القمح في طنجرة ضغط مع الماء والملح ونتركه يغلي حتى يلين قليلاً، ثم نضيف الحمص، الفول، قطعة القديد، الثوم، والتوابل.
نغمر الكل بالماء الوفير ونغلق الطنجرة، يُترك يغلي حتى تنضج جميع الحبوب وتصبح طرية جداً (مثل الزبدة).
بعد النضج، يجب أن يبقى القليل من المرق الكثيف. نضيف السمن أو زيت الزيتون في النهاية.
يُقدم في صحون فخارية، ويزين بالبيض المسلوق في بعض المناطق كرمز للولادة والبداية الجديدة.

 تونس: “عصيدة الزقوقو” أو “الكسكسي بالقديد”

تشتهر تونس بإعداد الملوخية (لجلب العام الأخضر)، إلا أن الاحتفال برأس السنة الأمازيغية في مناطق مثل مطماطة، تطاوين، وقفصة، يعدون طبق “الكسكسي بالقديد والعصبان المشمّس”.

المقادير:

الكسكسي: قمح محضر منزلياً (دياري).

اللحم: “القديد” (لحم مجفف ومملح من عيد الأضحى) و”العصبان” المجفف.

البقوليات: حمص، فول مصري، وبازلاء مجففة.

الخضار: لفت، جزر، وقرع أحمر.

التوابل: “تابل وكروية” (خلطة تونسية مميزة)، هريسة عربي، فلفل أحمر، وبصل.

طريقة التحضير:

يُغسل القديد جيداً للتخلص من الملوحة الزائدة، ثم يوضع في القدر مع الزيت والبصل والبهارات والهريسة.

تُضاف البقوليات والماء وتترك لتغلي حتى ينضج القديد والحمص.

يُطبخ الكسكسي بالبخار (الاولى والثانية) فوق المرق ليتشرب رائحة اللحم المجفف.

يُسقى الكسكسي بالمرق الأحمر المركز، ويزين بالخضار والقديد، ويُقدم مع الفلفل الحار المقلي.

السر التونسي: يحرص التونسيون في هذا اليوم على تبخير البيت بـ “البخور العربي” لطرد النحس.

 موريتانيا: طبق “عيش الحامي” (العصيدة الموريتانية)

في موريتانيا، يُعرف التقويم الأمازيغي قديماً بأسماء محلية،  يُحتفل به بتبادل “الزريق” والذبائح بين الخيام، كرمز للضيافة والكرم الذي تشتهر به المنطقة.

في موريتانيا، يرتبط الإرث الأمازيغي (الصنهاجي) بالبساطة والارتباط الشديد بمنتجات الأنعام والأرض. طبق “العيش” سيد الموقف في المناسبات العائلية.

المقادير:

الدقيق: دقيق الشعير أو “الذرة البيضاء” (المنقاة والمطحونة).

المرق:لحم غنم أو إبل.

الدهن: “الدهن الحر” (السمن البلدي الموريتاني) أو “ودك” (شحم مذاب).

الألبان: “الزريق” (لبن ممزوج بالماء والسكر) يقدم بجانب الطبق.

طريقة التحضير:

طهي العيش: يُغلى الماء في قدر كبير، ثم يُضاف إليه الدقيق تدريجياً مع التحريك المستمر بقطعة خشبية قوية تسمى “المغرف” حتى يتماسك العجين ويصبح ناضجاً وثقيلاً.

يوضع العيش في قصعة كبيرة، ويُجوف وسطه بشكل عميق.

المرق: يُطهى اللحم مع القليل من البصل والملح والماء فقط (بدون توابل كثيرة للحفاظ على نكهة اللحم الأصلية).

التقديم: يُصب المرق واللحم في التجويف وسط العيش، ويُسقى الجانب الخارجي بالسمن البلدي الكثيف.

الرمزية الموريتانية: يُؤكل هذا الطبق بشكل جماعي باليد، ويرمز “العيش” (الذي يعني الحياة) إلى الرزق الوفير في العام الجديد.

في موريتانيا: يحضر البعد الثقافي الأمازيغي في الذاكرة الشعبية من خلال تبادل التهاني والاحتفاء بالقيم المشتركة التي تربط “البيظان” بجذورهم الأمازيغية القديمة.

نصيحة الجدات:في “ينّاير”، لا تشبعوا وحدكم!

تقضي التقاليد بأن يتم تبادل “أطباق الشرشم”  أو أوركيمن مع الجيران، فكلما اتسعت دائرة المشاركة، زادت بركة العام الجديد.

أمثال وحكم شعبية ترويها الجدات:

  • “في يناير، كل ليلة بليلة.” (بمعنى أن أيام الشتاء طويلة ويجب الصبر عليها بالذكر والسمر).
  • “إلى رعدت في يناير، فرّح الفلاح والبشاير.” (لأن الرعد في يناير يبشر بموسم مطير).
  • “يناير كحّال العيون.” (يقصدن أن البرد يجعل العيون تدمع كأنها مكحلة، أو أن الخضرة التي تأتي بعده تزين الأرض كالكحل).

تعليقات الزوار ( 0 )

اترك تعليقاً