مدن القصيدة : شفشاون، مدينة الشعر والجَمال وجوهرةُ المغرب الزرقاء - مجلة زهرة
مساحة اعلانية

مدن القصيدة : شفشاون، مدينة الشعر والجَمال وجوهرةُ المغرب الزرقاء

كتبه كتب في 25 يونيو 2024 - 5:24 م
عبق التراث مشاركة
مساحة اعلانية

د.بوجمعة العوفي -تازة

شفشاون، الموقع الجغرافي والتاريخ:
مدينة شفشاون: عروسة الجبل وجوهرة المغرب الزرقاء. تتربع ببهائها الأخّاذ على سفح جبل “القلعة” بشمال المغرب (على مقرُبة من مدينتيْ تطوان وطنجة)، وتحيط بها العديد من القمم الجبلية. إذ أنّ اسم المدينة نفسِه (شفشاون) مشتق من تسمية أمازيغية وتعني: قمم الجبال. وهي بحق متعة للعين ورئة جبلية للهواء النقي، جعلتْ منها الطبيعة وموقعها الجبلي عروسة تتزين بأبهى الحلل، حيث الماء وعناصر الطبيعة الخلابة والفيحاء تتفاعل فيما بينها لتمنح الزائر بهجة القلب والروح والنظر، والزرقة الباذخة التي تكسو جدرانها وأزقتها وبيوتها المرصوصة والمتلاحمة مع بعضها تبدو مثل نسيج لشريان فاتن يقود العين والأعماق إلى أقاصي الفتنة والدهشة والانجذاب. كل ذلك يجعل من شفشاون جوهرة زرقاء لتاج عروسة فاتنة تتمدد بكامل جمالها وأُبّهتها على بساط مبهر ومتناغم من الزرقة والألوان المشتعلة لأصص النباتات والحبق السّهران على حافة النوافذ والجدران والشرفات.

تأسست مدينة شفشاون في نهاية القرن الخامس عشر الميلادي عام 876 هـ / 1471 م على يد مولاي علي بن راشد العلمي (أحد أحفاد مولاي عبد السلام بن مشيش) المعروف بـ “أمير الجهاد” ضد الصليبيين (البرتغاليين والإسبان). وكان تأسيسها لغرض عسكري لوقف الاستعمار البرتغالي بعد احتلاله لعدد من المدن الساحلية الشمالية للمغرب. ولنفس الغاية، بنى مولاي علي بن راشد قلعة “القصبة” الصغيرة بمساعدة قبائل “غمارة” لتكون بمثابة قلعة “للمجاهدين” ضد الاستعمار ولاستضافة اللاجئين المسلمين النازحين من الأندلس بعد طردهم من قِبل الصليبيين الإسبان.

كما لعبت شفشاون دورًا مركزيًا في استضافة العائلات الأندلسية بين عامي 1492 و1609 م. إذ قامت هذه العائلات الأندلسية ببناء أحياء سكنية خاصة بها محاطة بالجدران، على غرار الطراز المعماري الأندلسي والأحياء العربية في غرناطة، وأقاموا أحياءهم على المنحدرات الوعرة لجبال شفشاون. لذلك أطلق المؤرخون على شفشاون اسم “بِنتُ غرناطة” أو “غرناطة الصغرى” بفضل ما اشتملت عليه المدينة من مظاهر وعناصر معمارية أندلسية تأخذ العين.

وخلال عقود قليلة تحولت قلعة شفشاون إلى مدينة جديدة ومزدهرة، كانت مهد اندماج الثقافة الأندلسية / الغرناطية مع ثقافة قبائل “غمارة”. كما أن العديد من “الموريسكيين” واليهود استقروا بمدينة شفشاون بعد ترحيلهم من الأندلس وسقوط الخلافة الإسلامية في العصور الوسطى هناك. بعدَها عرفتْ شفشاون توسعا كبيرا على مدى أكثر من ثلاثة قرون مع توطين المهاجرين من الأندلس. ولقد كانت الجالية الأندلسية التي استقرت في المدينة تضم عددًا من الشعراء المعروفين.

الطبيعة في شفشاون، مُلهمة الشعراء:
إن جمال طبيعة شفشاون قد جعل منها مدينة للقصيدة بامتياز، ثم فضاء للإلهام ونَظم الشعراء، شكلتْه تجارب ونماذج شعرية رفيعة كتبها وأسس لها شعراء ينتمون إلى هذه المدينة من مختلف الأجيال، تغنوا بمحاسنها وجمالها الطبيعي والمعماري، فوصفوا جمال المدينة وماءها وهواءها النديّ، ومدى حبهم لها وتعلقهم بالانتماء إليها، والتشبث بأرضها وترابها، وحنينهم إليها، كحنينَ الطفل إلى خبز أمه وإلى تلك الذكريات الجارفة لمراتع الطفولة والصبا، من أمثال: عبد الكريم الخيراني، وعبد السلام الحضري، ومحمد الغربي، وعبد القادر المقدم، ومحمد أبو عسل، وعبد الكريم الطبال، وعبد السلام مصباح، وأحمد بنميمون، ومحمد الميموني، وإسماعيل أزيات، ومحمد ابن يعقوب، وعبد الحق بن رحمون، وعبد الجواد الخنيفي… وغيُرهم كثير.

وهذا واحد من شعراء شفشاون الغرّاء (عبد السلام الحضري) يتغنى بجمال مدينته في قصيدة طويلة (في تسعين بيتا)، عنونها “أميرة الجبال” نقتبس منها:

أشفشاون خِلناك في الأرض جنة
تحُفُّ بها الأشجار والــــظل والنهر
جبالك في الأجواء تعـــــلو تفاخرا
ويصبو لها شوقا من الأفق البدر
يقبّل ســــــطح الأرض حتى كــــــأنه
أتى طائعا يرجو وقد صدر الأمــــــر
أقامت لدى طودين كالملك الذي
تربّع عرش الــــــــفخر كــــــــلله النصر
جـــــــداول مـــــاء ترتمي بــرياضها
تفتش عن مأوى وليس هنا حجر
تقطع أكبادا من الجري والأسى
فتلقي لها الأوراق والنور والزهر
خريره يُبكي القلب من شدة الظما
كما بكت الخنساء لما قضى صخر

وبنفس الدهشة والانجذاب، يناجي الشاعر أبو حفص عمر الحراق مدينة شفشاون مسقط رأسه، يتغنى بطبيعتها الخلابة وبساتينها الغنّاء ومائها العذب الرقراق، ويُعلي من مكانتها ومَقامِها الرفيع، ليجعلها فوق مآثر تاريخية وطبيعية شهيرة ومدن كثيرة في بقاع العرب والعجم، مثل غرناطة (حمراء الأندلس)، وبُرج دمشق، ونهر النيل في مصر، وحلب الشامية… وغيرها. إذ يقول:

شفشاون يا شفاء النفس من نصب
ربيت فيها رهين اللهـو والطرب
مسقط رأسي وأنسي مع جهابذة
أربوا على كل ذي عِلم وذي أدب
زدتِ جمالا على حمراء أندلسٍ
وفقتِ بيضاء غرب منتهى الأرب
أرض تَجمَّع فيهـا كل مفترق
في غيرها من أراضي العجم والعرب
ماء معين وأشجار منوعة
تعجز عن وصفها الأقلام في الكتب
ما شعب بوان، ما برج دمشق وما
نيل بمصر وما العاصي لدى حلب
في جنب شفشاون الغراء إن فخرت
بتـــينهـا وبــــزيتـــون مـع الـعنب

كذلك نجد شاعرا آخر مِمّن أنجبَتهم مدينة شفشاون العامرة، وعاش عاشقا لها ومتيما بجمالها (محمد عبد الكريم الخيراني) يخصص للمدينة قصائد عِدة تعتبر من عيون ما قام بنظمه شعراء شفشاون في فترات سابقة، هو الشاعر الذي يُعتبر كذلك مفخرة في التاريخ الشعري للجوهرة الزرقاء. إذ كان غزير الشعر ومؤلفا لكتاب “المذاهب الأربعة”، وهو من كان على رأس الأعيان الذين استقبلوا السلطان المغربي مولاي الحسن حين زيارته إلى شفشاون سنة 1307 ه. إذ يقول:

إذا شئتَ أن تسمو على كل فائق
وتنجى سريعا من جميع المَضايق
وتُكسى سرابيل المفاخر والعُــــــــلا
وتكفي بحول الله سوء الطوارق
فشُدّ على شفشاون كفك غابط
وخيِّمْ بها إذ هي مـأوى الأصـادق
وقل ما تشاء في مدحها فهي جنة
قد اشتملتْ قدما على كل رائق
أشفشاون ما أنتِ إلا عروسةٌ
بديعةُ حُسن خدها كالشقائق
كـأنك يا شفشاون تشبه وردةً
معطرة الأنفاس في كف ناشق
أشفشاون إن كان في الأرض جنة
فأنتِ هي الفردوس ذات النمارق

شفشاون مدينة الشعر والتصوف:
يكاد الشعر والتصوف في مدينة شفشاون يكُونان صِنوان لا يفترقان، إذ يشكل كل منهما مرآة للآخر وامتدادا له. حيث يشير هذا الترابط القوي بين الشعر والتصوف لدى العديد من شعراء شفشاون إلى انبثاقهما من فعل ومرجعية نفسية وروحية على حد سواء، هو الفعل الإبداعي الذي يتجسد شعرا أحيانا وتصوفا أحيانا أخرى، على اعتبار أن قصائد هؤلاء الشعراء غالبا ما تتجلى في أبهى حلّتها وصورها الشعرية في حالات توحد كامل مع الخالق ومعجزة الخلق. ومن ثَم، ظل الشعر في المجتمع الشفشاوني شفافا ينضح بمواجد الروح والمعاني الصوفية في أبهى التجليات، إذ كلما تتسع بصيرة الداخل تتعمق الرؤية والرؤيا وتستضيء العبارة.

وهذا ما تحقق في الحياة الصوفية لمدينة شفشاون عبر العصور، ومن خلال شعراء تقمصوا الأبعاد الروحية لمجال الصوفية في قصائدهم، وجسَّدوا في أبياتهم، بالمعاني الصافية، كل تلك الأذكار الجماعية للفقراء والمريدين في الزوايا، وجلسات السماع والمديح التي كانت تنعقد في الزوايا بصورة شبه يومية، تُظهر حجم الثراء الروحي والشعري لمدينة تتنفس الشعر وجمال الطبيعة بحكم تاريخها وموقعها الجغرافي، وكذلك في إقبال أهلها على الشعر والشعراء. ومن أشهر شعراء شفشاون وأكثرهم ارتباطا بحقل التصوف خلال القرن التاسع عشر الميلادي، الشيخ مولاي علي شقور (صاحب الضريح والزاوية الشقورية بشفشاون)، ثم حفيده الشيخ حمزة، إذ كان معظم أشعارهما أشواقا ربانية، ومدائح نبوية.

نستحضر هنا، وفي السياق نفسه، نماذج شعرية لواحد من الشعراء المعاصرين وابن مدينة شفشوان (محمد بن يعقوب)، هذا الشاعر الذي خصص حيزا ليس بالهيّن من تجربته الشعرية الأولى للتصوف والمديح النبوي. نقتبس من أشعاره هذه المقاطع التي تفيض حبا وشوقا للخالق عزّ وجل ولرسوله الكريم:

حَبيبــــي وَقَلْبِــي وَمُقْلَةَ عَيْنِي
وَأَنْفَاسَ رُوحِــــي وَسَعْدَ سُعُودِي
فَمِنْـــكَ أنَا وَإِلَيْـــــكَ أُثَنِّي
إِذَا مَا بَلَغْـــتُ بِسَيْــرِي حُـدُودِي
أُحِبُّــكَ حُبّاً يُجـَــادِلُ عَنِّي
لَدُوداً بِعَهْدٍ سَمَا فِـــي الْعُهُــودِ
وَكُنْ لِي إِلَهِــــي بِحِفْظٍ وعَوْنٍ
وَدَفْــعٍ إِلَى كُــلِّ قَصْـدٍ مُفِيدِ

كذلك يعيد الشاعر من جديد تشكيل هذه التجربة الروحية التي استطاع أن يفرغها في قالب روحاني مشفوع بحب الله وكرمه وجلاله، سواء على مستوى اللغة والقافية، أو على مستوى المعاني الظاهرة والخفية في بناء القصيدة، حيث يقول:

يَـا رَبِّ مَـا أَكْرَمَكْ!
فِي الْفَضْلِ مَا أَكْمَلَكْ!
وَمَا أَجَلَّـــــكَ مِنْ
مَوْلــــىً عَلَا وَمَلَكْ!
خَلَقْتَنِـــــي فَأَنَا
فِيمَا أَنَــــا مُمْتَلَكْ
وَجَاهُكَ الْمُرْتَجَــى
لِلْعَبْـــــدِ إِذْ وَصَلَكْ
عُذْراً حَبِيبِـي فَمَا
أَبْهَـاكَ! مَا أَجْمَلَكْ!
مُنَى سُجُودِي رِضاً
وَالْأَمْرُ كُلُّــهُ لَكْ

أما في قصيدة (في مدحه صلى الله عليه وسلم)، فيذكر الشاعر أنه بمَقدم الرسول، حل الخير بالدنيا، التي أصبحت فُلة بهية كالسنا، وهذا الملمح الجمالي الجديد يرتكز في إشارته على فعل الإيماض والسطوع واللمعان والجدة، ونستشف هذا من خلال قوله:

أَتَيْــتَ غَيْثاً إِلَى الدُّنْيَــا تُرَوِّيهَا
فَأَصْبَحَــــتْ فُلَّةً مِنْ خِيرَةِ الْفُلّ
نَدِيَّـــــةَ الْعِطْرِ بَسَّامــاً مُحَيَّاهَا
بَــهِيَّةً كَالسَّنَـــا مَوْفُورَةَ الطَّلِّ
يَا مَنْ أَضَاءَ مَسَارِي الأَرْضِ فَاهْتَزَّتْ
وَأَنْبَتـــتْ بَعْدَ عُقْمٍ غَابَةَ النَّخْلِ
عِنْدَ الْفَلاَةِ الَّتِـــي لَمْ تَمْتَخِضْ إِلاَّ
لِتُنْبِتَ الْحَنْضَلَ الْمَدْفُونَ فِي الرَّمْلِ

المهرجان الوطني للشعر المغربي يحَوّل شفشاون إلى عاصمة للشعر:
ولما كان عشق أهل شفشاون للشعر والشعراء عشقا لا يوصف، وكأنهم استلهموا هذا العشق من الشعر الأندلسي، ومن طبيعة غرناطة وقرطبة وطليطلة ورندة، فقد دأبت جمعية “أصدقاء المعتمد” بشفشاون، منذ أكثر من خمسة عقود، على تنظيم مهرجان الشعر كل سنة، يشارك فيه شعراء من جميع جهات المغرب، فيفدون عليها لإلقاء قصائدهم أمام جمهور غفير يعشق الشعر ويستمتع به. وبذلك تكون الجمعية المنظمة قد برهنت مجددا على حرصها الجميل ووفائها الدؤوب لتقليدها السنوي الذي يحتفي بالشعر والشعراء، حيث استطاعت شفشاون أن تستحق وبجدارة لقب “عاصمة الشعر” بامتياز، لكونها تحتضن أقدم مهرجان شعري بالمغرب. إذ تتيح لحظات انعقاد هذا الملتقى الشعري الوطني فرصة للإنصات والإصغاء لمختلف الأصوات الشعرية بمختلف تجاربها وأجيالها وحساسياتها الشعرية المختلفة. وبذلك، اكتسبتْ مدينة شفشاون رمزيتها الخاصة كمدينة للقصيدة بامتياز في مخيال الشعراء.

كذلك لم تكن شفشاون مصدر إلهام لأبنائها من الشعراء الذين ولدوا ونشأوا فيها فحسب، بل كانت أيضا مصدر إلهام لزوارها الذين توافدوا عليها على مر العصور والأجيال، كالإمام المحقق أبو علي الحسن بن مسعود اليوسي الذي زارها سنة 1080هـ، وتغنى بجمال طبيعتها الخلابة قائلا:

شفشاون مأوى الشمم
والمجد عن طول الأمم

وعلى غراره يثني الشاعر المغربي الراحل محمد الحلوي على المدينة نفسها، ويصفها بأنها مدينة ذات تاريخ عريق وحضارة إسلامية عريقة. كما يصف جمالها الطبيعي، حيث تتميز ببيوتها البيضاء المبنية على سفوح الجبال، ودروبها الضيقة وأزقتها الزرقاء المتعرجة. إذ يقول:

شفشــــــــاون يا مهد الجهاد وقلعة
للديــــــن كانت في القديم ولم تزل
يا فتنة الشعــــــراء هل ينساك من
ملأت رؤاك عيونــــــه وبك انشغل
زمن يطل من السما علي جبل
في صمته يروي أساطير الأزل
ما ضرك أنك في العيون صغيرة
حجما، فمرأي البدر قرص أو أقل

فيما يسائل أمكنَتها وطبيعتَها الخلابة عبد الكريم الطبال، الملقب بـ “ناسك الجبل” وواحد من أهم الشعراء المعاصرين بمدينة شفشاون، والذين ساهموا بحق في تحديث القصيدة المغربية في ديوانه الشعري “رميا بالورد” قائلا:

على خطى الناسك / من أمْسِ / أسألُ المكانَ عنْهُ / أسْألُ الجبالَ / وكُوى الفَجْر / ورأْسَ الماءْ / وأَسْالُ الأحراشَ / والزيزانَ / والأعشاشَ / والقواقعَ التي حِذاءَ النهْر / والحَجَرَ إذْ يَهْبط بالأسماءْ / وأَسْأل الساحةَ / والأبوابَ / والأقواسَ / إنْ فَرْدا / وإِنْ في وَسَط الحُشودْ / أَوْمأ لي أَحَدُهُمْ: لاتَ الذي تَسْـأَلُ / أيها الغريبُ، / فالطريقُ مثلَتْ قَبْلَكَ / بالعُمْيانِ / والشهودْ / ولَمْ تَكُنْ / سِوى لِطِفْلٍ حائِرٍ / يَـشِب كل عامٍ / حامِلا رَكْوَتَهُ سِرا / يُدبج الفراشاتِ / ومِنْ عينيْهِ كَمْ / يطْفُرُ ضوْءٌ شارِدٌ / وَشاعِرٌ شَريدْ!

تعليقات الزوار ( 0 )

اترك تعليقاً