ذ. عبد القادر بوراص-وجدة-المملكة المغربية
على صهوة فرسه الأدهم الأصيل، ذي البنية القوية الصلبة وشعره المنسدل بعناية على كتفه، وكأنه ظفائر عبلة، غادر عنترة بن شداد خيمته الرثة التي حال لونها بفعل حرارة الشمس المحرقة، حيث اعتزل الناس بعيدا عن تجمعهم بواحة قرب الماء، وهو في طريقه توقف بأعلى كثبان رمل وأخذ يراقب خيمة حبيبته عبلة دون أن يظهر لها أثر، قبل أن يردد بصوته الخشن:
ستذكرني قومي إذا الخيلُ أصبحتْ
تجولُ بها الفرسانُ بينَ المضاربِ
فإنْ هُمْ نَسَوْني فالصَّوَارمُ والقَنا
تذكرهمْ فعلي ووقعَ مضاربيِ
فيَا لَيْتَ أَنَّ الدَّهْرَ يُدني أَحبَّتي
إليَّ كما يدني إليَّ مصائبيِ
ولَيْتَ خيالاً مِنكِ يا عبلَ طارقاً
يرى فيضَ جفني بالدموعِ السواكبِ
سأَصْبِرُ حَتَّى تَطَّرِحْني عَواذِلي
وحتى يضجَّ الصبرُ بين جوانبيِ
مقامكِ في جوِّ السماء مكانهُ
وَباعِي قَصيرٌ عَنْ نوالِ الكَواكِب
فشعر جواده بمعاناته وأطلق نحنحة عظيمة أرعبت أهل القبيلة فنهضوا مسرعين كدأبهم حاملين سلاحهم لمواجهة الخطر المحدق بهم، حيث كانت القبائل القوية تشن حملات منتظمة على بعضها البعض وتغزو الضعيفة منها في غفلة منها وتستولي على خيراتها وتسبي نساءها. فرد عنترة على نحنحة جواده بقوله:
حصاني كانَ دلاّل المنايا
فخاض غُبارها وشَرى وباعا
وسَيفي كان في الهيْجا طَبيباً
يداوي رأسَ من يشكو الصداع
عبلة وحدها عرفت نحنحة فرس حبيبها، فاطمأنت نفسها وهدأ بالها، وتيقنت أن عنترة خارج في مهمة بعيدا عن الديار.
أما قومها ففتشوا بدقة وبكل حذر محيط تجمعهم فلم يعثروا على شيء، ليعود الوضع إلى سابق عهده، في وقت كان جواد عنترة يطوي مجاهل البيداء قبل أن يشتد الحر ويتحول السفر إلى جحيم لا يطاق.
على مشارف المدينة، تفقد عنترة جلد ماعز أهدته إياه عبلة فكتب عليه قصيدته التي تجمع بين طياتها أكثر من غرض شعري، معظمه رسائل موجهة إلى عبلة وذويها، فتأملها مليا قبل أن يقبلها ويعيدها ثانية إلى جرابه الخشن، إنها قصائده التي اختارها للمشاركة بها في فعاليات المقهى الأدبي، وغمرته سعادة لا محدودة ظهرت على ملامح وجهه الذي طبعته حمرة ممزوجة باللون الأزرق غلبت على سواده الداكن، إذ وجد من يتذوق شعره ويهتم به بعد الإقصاء والتهميش الذي فرضه عليه أهل قبيلته، بمن فيهم والده البيولوجي الذي حرره مكرها، وظل عنترة بن شداد أسيرا لعبارته المشهورة: “كر وأنت حر”.
دخل المدينة متأبطا سيفه وكنانة سهامه وهو نصف عاري إلا من قطعة ثوب لفها على الجزء الأسفل من بدنه، مما أثار فضول الناس فأخرجوا هواتفهم وتسابقوا في التقاط صور له، بل لم يتوان بعضهم في الاقتراب من جواده الأصيل للفوز بصورة فريدة من نوعها. هذا الأمر وجده عنترة غريبا ولم يستطع أن يجد له تفسيرا، مما جعله حذرا للغاية. كان أصحاب السيارات يتوقفون لتقديم التحايا له وينعتونه بصفات لم يتعود على سماعها من قبيل: “أين ابنك ماوكلي؟”.. “عشت يا كوبوي”.. و “أين تركت سيف بن ذي يزن”… فكان ينظر إليهم محملقا دون أن ينبس ببنت شفة.
هاله هذا العدد الكبير من الناس، راجلين وركابا على متن سيارات مسرعة تمر بمحاذاة فرسه كالبرق، فعجز عن الكلام واكتفى بالشد بمتانة على لجام جواده الذي أربكته حركة هرج ومرج المدينة وضجيج وسائل النقل المختلفة بعد أن فارق هدوء وسكينة الفيافي وخلوة الصحراء الموحشة. وفي ركن الشارع نزل على صهوة جواده وربطه بلوحة أضواء المرور، واستوقف أحد المارة سائلا إياه عن خيمة المقهى الأدبي. تعجب الشخص من سؤاله ولم يفهم مقصوده، فانصرف غير عابئ به، إلا أن رجل تعليم كان يتابع حديثهما عرف مراده، فاقترب من عنترة وأخبره أن المقهى الأدبي ليس خيمة وإنما هي بناية فاخرة تقع بالقرب من المدارة الطرقية المزينة بخريطة المغرب.
لم يفقه عنترة من كلام المعلم شيئا وازداد حيرة، وترك حصانه مربوطا بمكانه وانطلق راجلا في الشارع الرحب الواسع، وكان الناس يفسحون له الطريق ويبتعدون منه خوفا من بطشه، معتقدين أنه متشرد فاقد العقل إلى أن وصل إلى مقهى رصعت واجهته بأضواء ذات ألوان مختلفة، وعلى لوحة زجاجية كتب بخط كوفي جميل: “المقهى الأدبي”، فابتسم باحتشام وهو يلج قاعتها الحبلى بكراسي وأرائك وطاولات آية في الحسن والبهاء، فقام رئيس المقهى مسرعا واستقبله بترحاب مبالغ فيه لم يعهده من بني عشيرته الذين عاملوه معاملة الجمل الأجرب، وأجلسه بالأريكة الشرفية مع أعضاء مكتب المقهى الأدبي، فيما جلس المبدعون الضيوف مقابلين لهم وهم ينظرون إليه باستخفاف، بل ومنهم من حرض بعض زملائه على الانصراف بدعوى حضور البدوي ابن الأمة زبيبة مجلسهم انتقاص من قيمتهم وإهانة للشعر والشعراء.
كان رئيس المقهى ذكيا فرحب بالحضور معلنا في الوقت ذاته انطلاق فعاليات هذا الملتقى الثقافي قبل أن ينفض الجمع، وأعطى الكلمة للمحرض على الانسحاب، الدخيل على عالم الشعر، فقرأ بنوع من التردد والعصبية قصيدة من الشعر المنثور، تلاه مجموعة من الشعراء الذين قدموا قصائد من الشعر الحر، تابعها عنترة باهتمام بالغ وحرص على معرفة بحورها إلا أنه لم يتفوق في ذلك، فشد على مقبض سيفه بقوة وقفز فوق الطاولة صائحا كالرعد المدوي: “أتستهزئون بي وتسمون هذا شعرا؟ إنه شعر رقيق رقة الأرائك التي تجلسون عليها، خال من الخشونة التي تحملها كثبان الرمل بالصحراء المقفرة.. والمرأة في غزلكم ما عادت عبلة ولا ليلى وبثينة.. وأين الحماسة والشجاعة والإقبال والدبر في ساحة الوغى في الفخر بالعروبة وأنا أستمع لبكائكم على غزة والقدس؟ إنكم شعراء بكاء وعويل أقرب إلى بكاء المنهزمين عندنا على الأطلال.. مضيفا بلهجة صارمة لا تخلو من تهديد ووعيد أنه وقومه حموا خيامهم ودافعوا عن مراتعهم ومنابع مائهم بكل ما أوتو من قوة ومن رباط خيل، وخلدوا ذلك في معلقات زينت بها أستار الكعبة طويلا.. وانصرف من المكان وهو يردد:
إذا كشفَ الزَّمانُ لك القِناعا
ومَدَّ إليْكَ صَرْفُ الدَّهر باعا
فلا تخشَ المنية َ واقتحمها
ودافع ما استطعتَ لها دفاعاً
ولا تخترْ فراشاً من حريرٍ
ولا تبكِ المنازلَ والبقاعا
وحَوْلَكَ نِسْوَة ٌ ينْدُبْنَ حزْناً
ويهتكنَ البراقعَ واللقاعا
يقولُ لكَ الطبيبُ دواك عندي
إذا ما جسَّ كفكَ والذراعا
ولو عرَفَ الطَّبيبُ دواءَ داء
يَرُدّ المَوْتَ ما قَاسَى النّزَاعا
وفي يوْم المَصانع قد تَركنا
لنا بفعالنا خبراً مشاعاً
أقمنا بالذوابل سُوق حربٍ
وصيَّرنا النفوس لها متاعا
حصاني كانَ دلاّل المنايا
فخاض غُبارها وشَرى وباعا
وسَيفي كان في الهيْجا طَبيباً
يداوي رأسَ من يشكو الصداع
أَنا العبْدُ الَّذي خُبّرْتَ عَنْهُ
وقد عاينْتَني فدعِ السَّماعا
ولو أرْسلْتُ رُمحي معْ جَبانٍ
لكانَ بهيْبتي يلْقى السِّباعا
ملأْتُ الأَرضْ خوْفاً منْ حُسامِي
وخصمي لم يجدْ فيها اتساعا
إذا الأَبْطالُ فَرَّت خوْفَ بأْسي
ترى الأقطار باعاً أو ذراعا
تعليقات الزوار ( 0 )