زهرة ـ الرباط ـ المملكة المغربية
أدرجت منظمة اليونسكو الجرتق السوداني ضمن القائمة التمثيلية للتراث الثقافي غير المادي للإنسانية، معلنة النبأ خلال اجتماعات الدورة العشرين للجنة الحكومية الدولية لصون التراث الثقافي غير المادي باليونسكو، المنعقدة في نيودلهي 8 إلى 13 ديسمبر 2025، حيث تم تسجيله رسمياً كعنصر ممارسات وطقوس وتعبيرات للحفاظ والحماية والوفرة والخصوبة في السودان” .
جاء إعداد الملف بواسطة المجلس القومي للتراث الثقافي وترقية اللغات القومية بوزارة الثقافة والإعلام والسياحة، وبالتعاون مع مركز بيت التراث، واللجنة الوطنية السودانية لليونسكو ومكتب اليونسكو بالسودان، وفق متطلبات اتفاقية عام 2003 لصون التراث الثقافي غير المادي، وبمشاركة واسعة وفاعلة من المجتمعات الحاملة للتراث في مختلف مناطق السودان.

ويُعد الجرتق أحد أهم الطقوس السودانية الحيَّة، لما يحمله من رموز ودلالات ضاربة في عمق الوجدان الشعبي، تمتد جذورها إلى فترة حضارة مروي. ويُجسّد هذا الطقس قيم الوفرة والخصوبة والبركة والحماية، ويجمع بين عناصر مادية مثل الذهب والحرير والحنّة والعطور التقليدية، وبين معانٍ اجتماعية وروحية تُعزّز الروابط الأسرية والتماسك المجتمعي.

ويمثل تسجيل “الجرتق” الاعتراف الدولي الثاني بتراث سوداني خلال السنوات الأخيرة، بعد إدراج الاحتفالات بالمولد النبوي الشريف ضمن القائمة التمثيلية في ديسمبر 2023م. ويأتي هذا الإنجاز في وقت يواجه فيه التراث الثقافي السوداني تحديات بالغة بسبب ظروف الحرب، مما يزيد من أهمية هذا الاعتراف ويعزّز الجهود الوطنية المبذولة لحمايته.

وأكد الامين العام للمجلس القومي للتراث الثقافي وترقية اللغات القومية دكتور اسعد عبدالرحمن أن تسجيل الجرتق يعكس صمود المجتمعات السودانية وتمسّكها بتراثها، ويُعد خطوة محورية نحو ضمان نقل هذا الموروث إلى الأجيال القادمة، بوصفه جزءاً أصيلاً من الهوية الثقافية السودانية ومن الذاكرة الإنسانية المشتركة.

أصل كلمة جرتق:
كلمة جرتق إرث من اللغات المروية القديمة، مكونة من اللفظ المروي (Qor) والتي تعني (الملك)، بالإضافة إلي اللازمة (Tig) والتي تعني يفعل أو يجعَل، وبذلك تصبح لفظة (Qortig و Jartig) بمعنى يجعله ملكاً. وبطقوسها وأدواتها ينصب العريس ملكاً في ليلة زواجه .

مناطق ممارسة الجرتق:
تنحصر عادة الجرتق في المنطقة وسط و شمال السودان النيلي، وكذلك في منطقة النوبة، كما أنها رصدت عند المجموعة الجعلية التي تشمل: الجعليين، والرباطاب، والميرفاب، والمناصير، والشايقية.

ولم ترصد هذه العادة عند القبائل البدوية مثل: البجا، وبدو كردفان، ودارفور، والبدو الآخرين في الوسط، والمجتمعات الأخرى في جبال النوبة، وفي جنوب السودان. وتوجد في المدن وفي مجتمع (الجلابة) المهاجرين من مناطق الشمال النيلي.
أدوات الجرتق:
تتمثل في: (العنقريب)، و(صينية الجرتق)، و(السيف)، و(السوط)، وكذلك لبس العريس والعروسة.
العنقريب:
(العنقريب) في الموروث السوداني يرتبط ارتباطاً كبيراً بجلوس الحكام، والذين يشار إليهم بـ (أصحاب العنقريب)، في مقابل صاحب (التبروقة) (السجادة) للشيوخ الدينيين.
سريرٌ من الخشب يزين ويلون بالأحمر والأصفر، وبرسومات خاصة، يفرش عليه برش ملون يعرف بـ (عتنيبة)، وسجاد يغلب عليه الأحمر أو ملاءة ملونة بالأحمر.
صينية الجرتق:

تحتوي على أوانٍ خشبية في الغالب أو معدنية، تعرف بـ (الحُق)، وتوضع عليها عطور سودانية، خاصة فيما يعرف بـ (الضريرة) أو (الذريرة)، وهي عبارة عن مسحوق الصندل والمحلب والمسك. كذلك تحتوي على (الربعة) و( مبخر) به بخور صندل، وآخر به بخور تيمان وسلاسل وأساور وخواتم خاصة بالجرتق، أبرزها (سبحة اليسر) وهلال ذهبي وحرير أحمر ناعم.
هناك اعتقاد بأن لبعض المعادن مثل الذهب والنحاس والحديد؛ خواص في طرد الأرواح الشريرة، وكذلك الأحجار الكريمة والخرز، وبعض من الموروثات القديمة مثل (الجعرانة)، وهو حجر منحوت في شكل خنفساء أو (جعران)، المواد التي تشكل محتويات (صينية الجَرْتِقْ)، بالإضافة للعطور النفاذة، يعتقد بأن لها خاصية طرد الأرواح الشريرة، وجلب الأرواح الخيرة لحماية العروسين في هذه اللحظات المهمة، ولا يعتبر الجَرْتِقْ كاملاً إلا إذا توفرت جميع هذه العناصر.
يطغى اللون الأحمر على إجراءات الجَرْتِقْ، فالبرش الأحمر ولبس (فركة القرمصيص)، و(الحريرة الحمراء) و(الحُق) و(الربعة) و(حَجَر الدم)، ويعتقد أن اللون الأحمر الذي ينبع من كونه لون الدم أساس الحياة الذي تستهدفه الأرواح الشريرة.
الزي التقليدي للعروسين :
يرتدي العريس زياً شعبياً خاصاً يعرف بـ (السُّرتي)، ويتوشح بالسيف، ويمسك بيده سوط العنج، وعلى جبينه هلال يتلألأ، وعلى معصمه حريرة حمراء.
أما العروس فترتدي فستاناً أحمر من خامة ناعمة، ويزين شعرها بـ (الجدلة)، وهي شعر عليه بعض من المعادن الذهبية أو الفضية، تتمثل في قرط كبير يعرف بـ (القمر بوبا)، أو (الفدو) (الزمام) على الأنف وأساور كبيرة على اليدين الاثنين، وسوار على الرجل يعرف بـ (الحجل)، وثوب يعد خصيصاً لهذه المناسبة وكذلك (القرمصيص).
كيفية أداء طقوس الجرتق:
يتم هذا الطقس المتفرد؛ والذي يتوج فيه العروسان ملكاً وملكة؛ بإجلاسهما متقابلين على عنقريب الجَرْتِقْ المخصوص، وتكون العروس على شمال العريس، وتشرف على ذلك النساء كبيرات السن من خالات وعمات العريس. وكذلك تشارك أخواته وبعض قريباته اللائي يتمتعن بصفات خاصة.
هذه اللحظات تعتبر من اللحظات المحاطة بقدر كبير من الجدية والصرامة، وتختلف الطقوس من منطقة إلى أخرى، ولكن جميعها تتفق في وضع الضريرة على رأس العرسان، وإلباس العريس سبحة اليسر ثم العروسة.
وفي بعض المناطق تبدأ الطقوس بإحضار طفل ذكر حديث الولادة، ويشترط فيه أن يكون بصحة جيدة، والدايه على قيد الحياة، سعيدين في حياتهما الزوجية.
يوضع الطفل في حجر العريس حيث يقوم بتبادله مع العروس لسبع مرات، ويقال في هذه الحالة: “تغلبا بالمال وتغلبك بالعيال”.
ثم يقوم العروسان بتبادل إناء من اللبن المسمى (العُمرة)، يحتسانه سبع مرات، وفي المرة السابعة يقوم الشخص المنتهي عنده الإناء (ببخ) الآخر باللبن، وغالباً ما يحرص أن تكون المرة الأخيرة عند العروس.
ويؤتى بطبق (من السَعف) فيه كمية من حبوب القمح، والذرة، والسمسم، واللوبيا، والبلح وغيرها من الحبوب المزروعة في المنطقة، ويتم تبادل الطبق بين العروس والعريس لسبع مرات، وفي بعض المرات تؤخذ حفنة من هذه الحبوب ويتم تبادلها من يد العريس إلى يد العروس، وتعيدها العروس إلى يد العريس، ويتبادلانها لسبع مرات، وفي المرةالأخيرةيتم تشتيت هذه الحبوب على العريس أو العروس وعلى الحاضرين.
ثم يتم قطع الرحط، وهو خيط من الحرير يزين بالحلوى والبلح، يربط عند خصر العروسة، ويقوم العريس بقطعه ورمي الثمار على الحضور في جو بهيج، تختلط فيه الزغاريد وصيحات الفرح مع نفحات العطور والبخور، ويقوم العريس في خطوة أخيرة برش الحضور بعطر غال مميز لتكتمل الفرحة.
تصاحب طقوس الجرتق الأدعية والتعاويذ التي تقال لدرء العين: “دقر يا عين”. أو يطلب فيها عون النبي صلى الله عليه وسلم، أو بنته فاطمة، أو الملائكة. وهناك أغانٍ خاصة بالجرتق تسمى (البنينة) التي تعتبر إرثاً فنياً قائماً بذاته.
وبالتعاون مع بيت التراث والمجلس القومي للتراث وترقية اللغات، ساهم المشروع في ترشيح تقليد الجرتق الفريد في مراسم الزفاف السوداني، لإدراجه في القائمة التمثيلية للتراث الثقافي غير المادي (ICH) لليونسكو في شهر مارس الماضي، ليصادق على الملف رسميا في11 دجنبر2025.
.
تعليقات الزوار ( 0 )