حمدية رزق حسن الرفاعي- مصر
أخذت الجارية تتململ من مُكث سيدتها الشابة الرشيقة ،وهي تتأمل الأفق البعيد على الجانب الآخر من البحيرة، وقد ألقى الشفق بآثاره على شعرها الأسود وعلى البحيرة أيضًا، كأنما سُكب الذهب المصهور على الماء بكرمٍ وسخاء، حتى أصابها الانتظار والتقلقل ،فاقتربت من سيدتها في رفق وحذر وقالت:
سيدتي ، سيدتي. فلم تنتبه لها السيدة الشابة ؛لأنها كانت في حالة هيام ممزوج بالسعادة والحزن في آن واحد، ولذا ربتت على كتفها بحنان، فالتفت إليها السيدة وفي عينها نظرة لوم، فطأطأت الجارية رأسها وقالت بأدب: سيدتي إني أخاف عليك من هذه الحالة المتكررة، فنظرت إليها السيدة مستنكرة، فبادرتها الجارية: هل تسمحين لي؟
فعاودت الالتفات إلى الأفق وهزت رأسها بالموافقة، فغمر قلب الجارية إقدام وقالت:
منذ أن ملكتني يمينك منذ خمس سنوات خلت ،وأنا أفرش لك فراشك الوثير أمام البحيرة بجوار ذلك النبات الخارج بإصرار من جانبها، وكأنك تناجيه ويناجيك، ويظهر عليك حوارًا وفهمًا لإشاراته وحركاته، وتنتابك حالة من الهيام كأنك تعيشين مع ذكريات طالما حققت لك متعة وسعادة ولكنها رحلت فسكنك الحزن.
فتأوهت السيدة الشابة الحزينة ثم انتبهت كأنما تلملم أجزاءها المبعثرة وقالت:
لعلك سمعت عن أسطورة الفتى الجميل نرجس والذي غرق في هذا المكان؟
ـ نعم ، ما زالت الألسنة تلوك قصة ذلك الجميل المعجب بنفسه الذي طالما حملق في البحيرة يتأمل جماله حتى غرق، والعجيب يا مولاتي أن الناس أشاعت بأن نباتًا خرج في نفس مكان غرقه، فأطلق الناس على ذلك النبات نرجس تيمننًا باسمه، وإذا وجدوا واحدًا من الناس معجبًا بنفسه قالوا له إنك نرجسيّ.
فعاودت السيدة النظر إلى الجارية ، ثم إلى الأفق وقالت وهي تبتسم رغم الآلام: كأن لا شيء يخفى عليك يا ذات الأُذن اللاقطة.
فأطرقت الجارية إلى الأرض خجلاً وهي تكابد ابتسامة احترامًا لسيدتها وقالت: إنني خادمتك المطيعة ونديمتك يامولاتي.
قالت السيدة: بعض ما ينطقه الناس صحيحًا، كان جميلاً معجبًا بنفسه واثقًا من قدراته، ويا لفخر الفتاة حين يهيم بها قلب مثل هذا القلب، ويضع كل جماله وحسنه تحت قدميها ،وتنطق شفته بكلمة الحب في الوقت الذي تتمنى منه الفتيات الأخريات نظرة حتى ولو عابرة.
فلمعت عين الجارية وهي تتساءل: كنت أنت فتاته يامولاتي؟
قالت: نعم وكنا نتقابل عند البحيرة كل شفق، كان يتأذى إن تأخرت عليه ويشكو لي أن البحيرة تشد ناظريه بموجات غريبة وألاعيب سحرية فيتابعها بنظره حتى توشك أن تجذبه إليها، وكنت آخذ الأمر مأخذ اللعب وأدعي أنها أوهام المراهقة والحب وأقول له: لا تبالي ياحبيبي إن البحيرة تعشقك كما تعشقك كل النساء ولكن المهم هو أنك تحبني وحدي، وحدي أنا، وأضحك ضحك اللعوب الهاوية المستمتعة بحبها وحب حبيبها.
وقبيل لقائنا المعتاد ،فجعت كما فجع كل الناس بغرقه، وعرفت الحقيقة وما عرفها إلا أنا ، إن البحيرة اختطفته واستأثرت به لنفسها، استأثرت بنظرة السحر في عينيه التي ما رقت إلا لي. واتخذت من عينيه مرآة لنفسها.
الجارية: كانت فاجعة لكي يا مولاتي؟
السيدة: وفاجعة بالنسبة له أيضًا، حتى رفق بنا المعبود وقبل توسلاتي وتوسلاته بعودة اللقاء، فأخرج لي روحه في صورة ذلك النبات الذي أناجيه ويناجيني؛ ولذا يذكرني بذكرياتنا سويًا ساعة الشفق وأذكره أنا أيضًا، ولكنه حوار ما يسمعه إلا أنا وهو فقط.
وضعت الجارية رداء السيدة الكشميريّ الأحمر على كتفها وقالت: هيّا يا مولاتي فقد أقبل المغرب وأخاف عليك من البرد.
تعليقات الزوار ( 0 )