براءة واحدة ومصائر شتى - مجلة زهرة
مساحة اعلانية

براءة واحدة ومصائر شتى

كتبه كتب في 5 ديسمبر 2023 - 5:58 م
رحيق الأدب مشاركة
مساحة اعلانية

 

علي درويش-وجدة-المملكة المغربية 

قد تصادفنا في الحياة لقطات كأنها رواية، ويكفي أن نحسن قراءتها، لتبوح بأبعادها الدلالية العميقة.
لقطة عادية عابرة بسيطة، تتكرر كل يوم في الميترو أو في أي قطار يسير كالحياة (من… إلى) صادفتها اليوم…
فبالمقعد الموازي للذي كنت أجلس به، لفتت انتباهي امرأة لم تكف عن محاولة إقناع صغيرها الأشقر، بأن موعد الهدايا التي سيحملها بابا نويل قريب جدا وسيفاجأ منها بما يسعده، حدثته في مستهل الحوار عن شخصية بابا نويل بلباسه الأحمر ولحيته البيضاء، حين ينزل ليلا قادما من الشمال من بلاد الثلج فوق مزلاجة يجرها أيل قوي، محملة بالهدايا الجميلة ليوزعها على الأطفال..
كان الطفل الأشقر يتابع حديث والدته فاغرا فاه، ثم يقفز فرحا من حين لآخر مرددا : “ووواوووو ..!”.
بالقرب من باب العربة وقفتْ تتابع حوارهما باهتمام بالغ طفلةٌ سمراءُ، تمسك بيد والدتها التي سحبتها سحبا لتنزلا بالمحطة المقبلة..
أما أنا فغادرت الميترو في المحطة التي تليها، موزعا بين أفراح طفل أشقر بريء، وشقاء طفلة سمراء بريئة و أقراح أطفال أكثر براءة، في عالم آخر حيث لاتوزع الهدايا، إذ يتكفل الطائر الشبح الأسود بخنق أصواتهم وردمهم تحت الأنقاض فهم لم يولدوا ليحلموا بل ليتم وأدهم في المهد.
رحلة نويل محملا بالهدايا توقفت عند منزل الطفل الأشقر، وأحلام سمراء أفريقيا لا تتجاوز قطعة خبز تسد رمقها، أما أولئك الذين أمطرتهم السماء نارا حارقة فمزقت أشلاءهم، فلا حق لهم لافي العيش ولا في الحلم.
وقفت شاردا بباب العربة وكأن رجلي تأبى النزول، حتى ايقظني صوت زاجر من خلفي:
Avancez monsieur s’il vous plaît !!
عبرت الشارع إلى باب العمارة حزينا يمزقني الأسى، موزع الذهن بين طفل ينط فرحا بهدايا نويل و صغير افريقيا الجائع العليل و جثث وئدت ظلما يشيعها العويل ..

تعليقات الزوار ( 0 )

اترك تعليقاً