ميلود بوعمامة – زهرة
“حقيقة الأوهام “تأسـِرك الأحداث والشخوص والصراعات، وتتشوق للفصول قبل النهايات
الحديث عن المجموعة القصصية الأولى من نوعها للمبدع المغربي “سعيد بنعالية “حقيقة الأوهام”، هو حديث ذو شجون، حيث يشّدك النسق الدرامي والعاطفي من الوهلة الأولى للصور والمشاهد لكل قصة على حدة، وتأسـِرك الأحداث والشخوص والصراعات، وتتشوق للفصول قبل النهايات، بالرغم من أن جل القصص نهاياٌتها مفتوحة ِضمنيا على كل الإحتمالات
إستطاع الدكتور”سعيد بنعالية “في أولى تجاربه القصصية هاته، أن يكتب بأسلوب سهل وسلس، ْيمكن القول عنه أنه أسلوب(السهل الممتنع )، حيث خالف ما تعارف عليه معظم الكتاب والمبدعبن أتجاه هذا الجنس الأدبي الممتع والمتميز .
–لن أغوص كثيرا في هذا االتجاه، المتعلق باللغة واألسلوب والمعنى والمبنى في النصوص القصصية للقاص المغربي سعيد بنعالية، لأن هناك من يفهم و يتقن هذه الجوانب الفنية والقْيمية أفضل مني، وأترك هذا المجال وهذه القراءات لأساتذتي الأجلاء الحاضرين معنا في هذه الجلسة الأدبية الماتعة والممتعة.
المرأة في المجموعة القصصية “حقيقة الأوهام”هي قطب الرحى وعماد الأسرة والمجتمع
نجد في ٍكتابات الدكتورالمبدع “سعيد بنعالية”القصصية، حضور المرأة الوازن والمتزن، يؤثت مختلف جوانب قصصه، من خلال تصوير ممتع، ورسم للأحاسيس والإنفعالات والتوجسات للجنس اللطيف، فالمرأةعند بنعالية،هي قطب الرحى وعماد الأسرة والمجتمع، تدور الأحداث من حولها ومعها ومن محيطها، يصورها الكاتب كربان يقود سفينته الهوجاء نحو بر النجاة والأمان.
● في القصة الموسومة “دوام الحال من المحال” صفحة 28 السطرالسادس تقول مريم،أثناء اكتشاف خيانة زوجها وصديقتها صفاء: “لن أخبر مراد بهذا الأمر، سأغير طريقة تعاملي مع الجميع ابتداء من هذه اللحظة، سأحافظ على زوجي وعلى أولادي ،وألملم شتات بيتي، ولن أضيع سنوات من حياتي،سأعمل جاهدة على رد الأمور إلى نصابها،والمياه إلى مجاريها ،ولن أسمح لأي شخص كيفما كان نوعه أوجنسه يفسد حياتي ويدمر سعادتي…”
فالمرأة عند بنعالية أيضأ، هي الأم الحنون والصبور والزوجة الصالحة المتفهمة، والأخت المساندة المكابدة، والبنت المتخلقة النجيبة، والزميلة المتعاونة اللبيبة.
● في قصة العربي …مغرور بنفسه تقول سلمى صغيرة “العربي”الصفحة 90 السطر 10 “:لا نريد مالا، نريد أبا، ونحن لسنا غنما لكي تطعمناوتسقينا.. نريد اهتماما نريد أبا مسئولا.
– ومن هذآ المنطلق، وبكل تأكيد، ينتصر بنعالية للقيم اإلنسانية التي يجب أن تتحلى بها المرأة في مجتمع عربي مسلم، بالرغم من المتغيرات الكثيرة التيعرفتها المجتمعات العربية، بسبب هبوب رياح التكنولوجيا الحديثة المتوحشة التي أفسدت معاني” اللمة” ومفهوم الأسرة، وهذا ما لمسته شخصيا ، وأنا أتجول بين أحداث وصفحات نصوصه القصصية.
● في القصة الموسومة “رتابة أسرة”صفحة 119 السطر 5 ،تكتب إلهام على حسابها في الفيسبوك ما يأتي :أحبك أمي..ياغالية..أتعب أنا..وترتاحين أنت، وتبدأ تنتظر التفاعالت والتعليقات من أصدقائها وصيقاتها ….وأمها متعبة أمامها في العالم الحقيقي من أشغال البيت وأعبائه.
المبدع المغربي الدكتور سعيد بنعالية يشرًح صورة المرأة المغربية والعربية الناجحة و المنكسرة
وأثناء التمعن في المجموعة القصصية المطرزة بعناية فائقة للقاص المغربي سعيد بنعالية ”حقيقة األوهام“، نكتشف صورة المرأة المغربية والعربية الناجحة و المنكسرة، من خلال أسماء نساء بعينها، إذ لم يختر خبير العلاقات الأسرية والمهنية الأسماء اعتباطا أوصدفة، خصوصا أبطاله وشخصياته النسائية الإفتراضية و الواقعية، التي أثثت معظم نصوصه القصصية، حيث نجد فاطمة الزهراء أو فاتي أوفاتي فلور في الأقصوصة المعنونة ب” اتخاد القرار“من إمرأة افتراضية حالمة إلى امرأة واقعية منكسرة، تعلقت بأهذاب ذائبة، وصدمت في النهاية بواقع مر، مع ” الشاب الوسيم الذي تعرفت عليه عبر مواقع التواصل الإجتماعي باسم مستعار” (الفتى الطاهر)”أو نوفل إسمه الحقيقي، ليتحول إلى ذئب جامح في ثوب إنسان.
–وتأتي قصة مريم وزوجها وصفاء، في الأقصوصة المعنونة ب” دوام الحال من المحال، لتضرب موعدا للقراء مع صورة ناصعة المرأة مخدوعةتدعى مريم ، أحبت و تزوجت وأنجبت أبناء، وحافظت على أسرتها من الإنهيار، بسبب الخيانة والطعن من الخلف لأقرب المقربين، وبالتالي البحث عن الخيارات الصائبة لحياتها المستقبلية.
● تقول مريم في الفقرة الأخيرة من قصة دوام الحال من المحال :لأنني لوأخبرته لاعتذر) تقصد خيانة زوجها لها وصديقتها صفاء(ولأعاد جريمتهمرات عديدة، هكذا يخبرني عقلي الآن، ولا أخفي نفسي سرا، أنني كنت بطريقة أو بأخرى مسؤولة عن الوضع الذي أنا فيه،الآن أمورا كثيرا تغيرت من حول، وأنا لم أتغير.
إن توظيف صورة الأم رقية الصبورة المكابدة و إبنها ماهر المهندس العاق، في الأقصوصة المعنونة ب “ماهر في الهندسة ؟ ” صفحة 29، تحيلنا على دور
الأم التي قاست الأمرين مع ابنها الوحيد منذ خروجه إلى الدنيا، ولما اشتدعوده وتعلم وأصبح شابا يافعا، وتخرج من أرقى الجامعات، وتقلد مناصب عليا في تخصصه، تبرأ من والديه واشمأز من صلته بهما.● قال ماهر :ليس أبي..إنما راع يرعى لنا الغنم في البادية.
ما علاقة قصة اختيارات المختار وعمر بالشريط السينمائي المغربي البلجيكي المشترك”الراكد”؟
ولا تختلف قصتنا هاته مع قصة “دع الخلق للخالق” صفحة 64، مع صورة أخرى من الصور التي نسج المبدع سعيد بنعالية خيوطها بإتقان، وكأن القارئ يتابع سيناريو فيلم سينمائي بكل مشاهده ولقطاته وتفاصيله الدقيقة، حيث تحمل القصة أسماء نسائية ضمنية، كزوجة إبراهيم المنعزلة عن مجتمعها، وابنته المتعجرفة، وأم عبد الرحمان السيدة الودود.. بالإضافة لنسوة الحي الشعبي اللواتي ُتطلقن أحكاما جاهزة على الناس.
و تؤكد قصة” العربي ..المغرور بنفسه” ص 82، صورة أخرى من صورالمرأة التي تصبر على نائبات الزمن، بسبب العربي ذي الشخصية الإنفصامية، ذاك الزوج المستهتر وغير المسؤول، يتظاهر أنه يعرف كل شيء، وفي الواقع لا يفقه شيء، وما عانته البتول الأم من إهمال مفرط وأولاده الثلاثة سلمى ولبنى ومراد،و كيف غيرت سلمى أسلوب حياة أبيها رأسا على عقب.
ويكشف الكاتب المغربي في أقصوصة”ما بعد البكالوريا ” صفحة 92 الإكراهات التي تعترض مسار المرأة العاملة، والتحرش الذي يمارس عليها في كل مكان وجانب، لتسقط في الأخير شقيقة سمير(بطل القصة)فريسة شاب متهور يدير معملا بالمدينة بدل صاحبه الأجنبي، بينما تضيع أحلام سمير سدى على ما فرط ، في وقت لن ينفع الندم.
وتحيلنا قصة “اختيارات المختار وعمر” ص 98 ،على مسارات الهجرة نحو الضفة الأخرى المحفوفة بالمخاطر المهنية وغيرها، والظروف الصعبة و المتعبة لبطلي الأقصوصة، التي أسفرت عن إشكاليات أسرية وعائلية صرفة، وكذا تداعيات نفسية وعضوية لها الأثر البليغ على صحة المرأة بالخصوص، كانت أما أو زوجة أوأختا أو بنتا .
تذكرنا المواقف المتشابهة إلى حد كبير، بالشريط السينمائي المغربي البلجيكي المشترك”الراكد” للمخرجة المغربية ياسمين قصاري إبنة بادية(سيدي لحسن) قرب مدينة تاوريرت المغربية .
ياسمين المخرجة المغتربة التي تناولت ظاهرة الهجرة بمنظور مغايرتماما على ماهو متعارف عليه، في فيلم بسيط لكن عميق الرؤية والرؤى، حيث يتزوج الرجال ليرحلوا مباشرة إلى الخارج مخلفين وراءهم زوجات يعانين الحرمان وحرقة الإنتظار والشوق، لا تربطهن بالعالم الخارجي غير شاحنة كبيرة قديمة صدئة، توصل الرسائل عبارة عن فيديوهات مرسلة من قبل أبنائهم بديار المهجر، وهوالأمرالذي حاول الدكتور سعيد بنعالية أن يجسده بنفس جديد ورؤية متبصرة، في إطلالة على الموروث الشعبي مع البطلة” خديجة التي طال انتظارها لزوج قد يأتي أولن يأتي(المختار)، لكن بعد سنوات من الغربة المفروضة عليه وعلى صديقه عمرفرضاً، يعود أدراجه إلى بلدته،ويتزوج المختار ويصحب معه خديجة لعالم جديد عليها، بينما صديقه عمر يتبع مسارا آخر في حياته،● يقول عمر:كترينا الآن كل شئ في حياتي..هي أمي وصديقتيوحبيبتي وستكون زوجتي غذا.
الأسلوب السينمائي في قصة اختيارات المختار وعمر
يندرج الأسلوب القصصي للمبدع سعيد بنعالية وبالتحديد في هذه القصة، ضمن خانة الأسلوب السينمائي المبهر والممتع، حيث يفسح لقرائه المجال للخيال، ويسافر بنا على أجنحة الأحلام، في أفق نكتشف معه عوالم بعيدة المنال، بعنصر التشويق يرفعنا تارة و يبسط سجادة لنكتشف المآل، مآل النهايات المفتوحة على كل الإحتمالات، بين حقيقة وأوهام.
في حقيقة الأمر، ِاعتبر الكاتب في قصة “رتابة أسرة” ص 116، الوالدين عمادا الأسرة والمجتمع، فبالرغم ما تمنحه من عطف وقيم وحاجيات لأبنائها، تتحكم ظروف أخرى خارجية في مصائر الأبناء، خصوصا بعد ظهور الهواتف الذكية التي أفسدت علينا مع الأسف الشديد نعمة اللمة على طاولة الطعام وغيرها.
فالمرأة تشكل في قصة “ رتابة أسرة ” عنصرا محوريا لباقي الأحداث والشخصيات والصراعات مع أهواء خارجية أخرى، فالأم ربة بيت بارعة، وزينب البنت الكبرى التي تدرس بالجامعة خدَر الهاتف عقلها، وهي التي كان معول عليها في حمل بعض المسؤوليات “يا حسرتاه”،أما هدى – إلهام- كوثرالأخوات الصغيرات حتى في تفكيرهن، همهن الوحيد الإستمتاع بأوقاتهن على شاشة التلفزيون تارة وشاشة الهاتف تارة أخرى..و الحلم بغد أفضل..؟؟؟
ِ
وشكلت قصة “بين الشبل واألسد”صفحة 140، منحنى آخر للبروالعطاء في المجتمع المغربي والعربي عموما ، من خلال الرجل الطيب والورع والميسور، الحاج مطيع وزوجته الحاجة ميمونة، المرأة الصالحة (أم المساكين) كما نعتها المبدع سعيد بنعالية وباقي سكان الحي، إذ تعكس هاته الصور الناصعة أنموذج المرأة الكريمة وفاعلة الخير التي ساهمت في تنمية ثروة زوجها، وأقنعته بإطلاق مشاريع مدرة للدخل بمعية ابنها الصالح.. بطريقة عقلانية سليمة .
وفي أقصوصة “النجم الآفل” صفحة 148، يحيلنا الدكتور سعيد بنعالية على صورة أخرى من الصور القاتمة التي َتْن خرالمجتمع، حيث الإستغلال البشع للإنسان لبني ِجلدته، عبر قصة محبوكة ومنسوجة الأطراف، بطلتها فنانة موهوبة تدعى منى أغرتها ملذات الحياة وحب الشهرة، لكن في آخر المطاف تسقط فريسة “مافيا” استغلال البشر في بلد عربي بدعوى الظهور فنيا وإعالميا ..والإنطلاقة بحثاعن الشهرة الزائفة أثناء مشاركتها في برنامج “مطرب العرب”.
خاتمة
فيا ترى كيف يرى القارئ تاء التأنيث في األضمومة القصصية حقيقة الأوهام؟أهي في حالة كسرأم ضم أم جر أم فتح أمن ْنصب ؟أمام حقيقة أمام حقيقة ولادة أولى القطوف وأوهام قد تتجاوز التأويل والتذييل والصروف .
تعليقات الزوار ( 0 )