زهرة ـ وجدة ـ المملكة المغربية
في ليلة نورانية دقت بناديلها النصف من شهر رمضان الفضيل، شنف المقرئ المغربي الشيخ العيون الكوشي قلوب المصلين بصوته الشجي، واستأنست الأفئدة بٱي الذكر الحكيم، في ليلة مباركة زانها أسلوبه المغربي في التلاوة، الذي يجمع بين الشجن والخشوع والتدبر، مما يضفي أجواءً روحانية خاصة على صلاة التراويح .
تلاوة عيون الكوشي: خصائص وروحانيات
يقرأ الشيخ العيون الكوشي برواية ورش عن نافع، الرواية السائدة في المغرب العربي، تتميز بمدودها الطويلة وقواعدها الخاصة التي تزيد التجويد هيبة وجمالاً.
يشتهر الكوشي بصوته الندي الذي يلامس القلوب مباشرة، مع تركيز عالٍ على مخارج الحروف وتصوير المعاني القرآنية من خلال طبقاته الصوتية.
في مشهد ٱسر وكأنه حجيج مكة في مسجد محمد السادس في النصف من شهر رمضان، ذاك الصرح المعماري المبهر الذي تكسوه زخارف “الزليج” الفاسي، والنقش على الجبس، والخشب المنحوت بدقة، فأينما وليت وجهك تأسرك السوار ي الشاهقة التي تفنن المبدع المغربي في تصميمها، بمساحة واسعة تتسع لآلاف المصلين، مما يجعله مركزاً للاحتفالات الدينية الكبرى وبوصلة لنشر قيم التسامح والوسطية من خلال الدروس والمواعظ.
> “القرآن الكريم حين يتلى بصوت خاشع في بيوت الله، يتحول إلى دواء للأرواح وسكينة للقلوب.”لا تهم المسافات بل حال القلوب العطشى لذكر الله > ارتسامات مصل .
إليك أبرز القواعد التي تمنح صوت الشيخ العيون الكوشي تلك الروحانية الخاصة:
1. قاعدة “ترقيق الراء”
تعد من أجمل ميزات القراءة المغربية في رواية ورش، تُرطق الراء في حالات كثيرة تكون فيها مفخمة في روايات أخرى.
- الأثر: تمنح التلاوة “نعومة” وليونة، وتجعل صوت الشيخ ينساب برقة عند نطق كلمات مثل (خبيراً، بصيراً، سراجاً).
2. “النقل” (نقل حركة الهمزة)
بدلاً من نطق الهمزة بشكل حاد، يقوم ورش بنقل حركتها إلى الحرف الساكن قبلها.
- مثال: بدل قول “قَدْ أَفْلَحَ”، تُنطق في رواية ورش “قَدَفْلَحَ”.
- الأثر: هذا يمنح التلاوة سرعة واتصالاً (Flow) يقلل من السكتات الحادة، مما يزيد من الخشوع.
3. “الإمالة الصغرى” (التقليل)
وهي نطق الألف بحالة بين الفتح والكسر.
- مثال: كلمات مثل (الهدى، موسى، قضى) لا يفتح فيها الشيخ فمه بالكامل، بل يميل بالنطق قليلاً.
- الأثر: تعطي طابعاً “شجياً” وموسيقياً طبيعياً للتلاوة، وهي سمة ملازمة لصوت عيون الكوشي.
4. “المد المشبع” (6 حركات)
رواية ورش معروفة بطول المدود (مد البدل والمد المتصل والمنفصل).
- الأثر: الطول يعطي للشيخ مساحة لإظهار جماليات صوته وقدرته على التحكم في النفس، مما يشعر المصلين بالهيبة والوقار أثناء الصلاة خلفه.
الشيخ عيون الكوشي يمزج “المقامات المغربية” الأصيلة بالقواعد التي لا تعتمد على السلم الموسيقي الصرف، بقدر ما تعتمد على “الفطرة” والخشوع النابع من القلب.
هكذا تتحول ليلة النصف من رمضان بصوت الشيخ عيون الكوشي إلى رحلة سماوية تتجاوز حدود المكان؛ حيث تلتقي قواعد رواية ورش الرصينة بعذوبة الصوت المغربي الشجي، لتصنع في محراب مسجد محمد السادس لوحة إيمانية حية.
إنها دعوة للتدبر والسكينة، وتذكير بأن القرآن الكريم، حين يرتل بحقٍّ، يظل الملاذ الأسمى للقلوب العطشى والبلسم الشافي للأرواح ببوح جميل وهمس جميل ،حينما تهمس الروح للروح فتسمو إلى سماوات روحانية بديعة في ليلة ارتقت عبرات التوابين والمخبثين إلى السماء .
تعليقات الزوار ( 0 )