عبد الإله الجوهري
تعبت من رثاء الأصدقاء والزملاء والأحباب الأوفياء.
لم تعد الكلمات تسعفني في التعبير عن وداع الواحد تلو الآخر.
طائر آخر من طيور الفن يغادرنا دون سابق انذار، تاركا بذلك غصة في القلب والروح.
ها هو فنان من الزمن المغربي الجميل يصر على التحليق بعيدا، أياما قليلة بعد رحيل محمد عهد بنسودة، تاركا فراغا يصعب ملؤه بالنظر لصعوبة وجود فنان من طينته يمكنه أن يحتل مكانته.
اسماعيل الراحل عن دنيانا لم يكن، بالنسبة لي، مجرد صديق وكفى، بل كان ممثلا يغريني بتتبع أخباره، ومشاهدة مشاركاته، والاستمتاع بأدواره الباذخة، إلى حد أنه فرض علي صاغرا أن اختاره قبل أربع سنوات للعب شخصية سي بنعمرو في فيلم “العبد”، لأنني كنت مقتنعا أن لا أحد بإمكانه أن يؤدي الدور أحسن منه.
أبو القناطر، أو قناطر كما كان الأصدقاء ينادونه، لم يكن ممثلا والسلام، بل مدرسة حقيقية في التشخيص، وقنطرة للعبور ما بين الماضي والحاضر، بل جسرا رابطا بين الأجيال والتجارب، وعلامة بارزة من علامات الهنا (المغرب)، والهناك (الولايات المتحدة الأمريكية)، بين فضاءات مغربية تحاول جاهدة أن تكون سينمائية، وأستوديوهات هوليود القاهرة بسطوتها ونجومها وتحكم شركاتها، ومع ذلك، كان هنا رائعا وهناك نجما أعطى من قوة تجربته أقصى ما يمكن، وبصم ببصمته الخاصة في عشرات الأعمال التي شارك فيها.
أتذكر ونحن نصور في الشرق المغربي فيلم “العبد”، كيف كان يراقص النخل في واحات فيكيك الغامرة بالحب، ويعانق الرمال الذهبية التي تذروها الرياح في مفازات ووهاد أنجاد، ويغني مقاطع من أغاني الراي في تاوريرت وبركان ووجدة الأبية، يصنع المستحيل ببسمته المعتادة، وهو يقف أمام الكاميرا من أجل انجاح عمليات التصوير…
كان اسماعيل أبوالقناطر، أبا وأخا وصديقا وفنانا عاليا، كان كل هذا وأكثر، لأن حبه كان يسع الجميع، ويمنح الظل لمن لا ظل له من خلال وجوده ونبرات صوته وهو ينطق الكلمات الضاجة بالحب والتقدير، حب أبى ساكنة وجدة إلا أن يمنحوه له مضاعفا كعربون محبة وتقدير من خلال تكريم ضمن قعاليات مهرجان الفيلم المغاربي وجمعية سيني مغرب المناضلة..
اليوم سأبكيه كما بكيت أهم وأعز الأصدقاء، معترفا أنني غلبت على أمري في مواجهة خسة وجبن الموت، مرددا: لا غالب إلا الله..
تعليقات الزوار ( 0 )