شكران المقدسي-فلسطين
العدوان المدمر الممارس على قطاع غزة، جعلها شاحبة المحيا، تجاعيد غائرة ترتسم ببؤس على ملامح الأطفال، براءة شاخت مذ ولادتها،بلغت من العمر عتيا ومن الهمم نضجا واقتداء وفداء.

غذت الأيام والشهور متشابهة، وأرض أغرقت بدماء قانية، أرض مضمخة بزغاريد الثكالى والأيامى، ورواب كئيبة اكتنزت ببطنها بأكفان الرضع والشباب والشيب.

لم تعد غزة مجرد رقم على نشراتنا الإخبارية، وحديث المجالس اليومية، بل تاريخ نفقه أبجدياته، لا يقبل الإنكسار مطلقا.

وفي قمة الألم والخذلان، نرى غزة تضمد جراحها، تنصب سفرات الإفطار على أشلاء منازلها ،وبين لهب الحرب ترسم ابتسامة كئيبة على ثغرها، تصطنع الفرح ،تزرع جذور النعناع و الثوم وبذور البطيخ الأحمر والزعتر والبقوليات بين حواشي خيام النازحين.

ماعادت رائحة الكعك الفلسطيني والمعمول تفجر أفواه الأزقة والشوارع استعدادا لعيد الفطر، ماعادات العائلات والصبايا تتهافت على إعداد أشهى المحليات والمملحات والمشروبات الزكية، فبالرغم من الدمار الذي لحق المنشٱت الإدارية والدينية والأحياء السكنية، علا التكبير أمس والتهليل احتفاء بعيد الفطر، وأعدت النسوة النازحات أساور الكعك وفي كبدهن الكمد والحزن وفي عيونهن ٱلام وتنهيدات من فئة ١٧٦يوم.

حكاية كعك العيد ،قصص تروى بطعم الصمود والهوية
لا يكتمل شهر رمضان المبارك وعيد الفطر لدى العائلات الفلسطينية بدون إعداد الكعك والقطايف وكعك القدس وكنافة نابلس وملبن الخليل وتمرية عكا.

ويعد كعك العيد جزء أساس من العادات والتقاليد المتوارثة عن الأجداد والآباء، حيث يعكس التكافل الأسري والإجتماعي، بالرغم من تأزم الأوضاع الإقتصادية والإجتماعية والنفسية عقب الحرب على غزة.

وتحرص فلسطينيات مخيمات النزوح على إعداد الكعك، بالرغم من جحيم الحرب،لكي لاتموت فرحة العيد بأفئدة الصغار، حيث وزعن أكثر من ١٠.٠٠٠كعكة بجنوب القطاع.

“قالوا إجا (جاء) العيد.. قلت العيد لصحابه.. شو نفع العيد للي مفارق أحبابه.. العيد يا يُما لما بلادنا بتعود وأرجع على أرض الوطن وأبوس ترابه.. يا يُما لو جاني العيد اسألوا وين الغوالي.. الناس بتلبس ثوب جديد يما وأنا أشيل من الردم عيالي”
ومن الوقائع الطريفة التي يحكيها” حسن حافظ” الباحث في التاريخ الإسلامي عن صناعة الكعك في العهد الطولوني، أنه كان يتم حشو كل قطعة من الكعك بدينار من الذهب، كنوع من الدعاية لابن طولون، وكان يُقدم على موائد يُدعى لها حشد من رجال الدولة وعلية القوم، وفي إحدى الموائد نَبَّه كاتب ابن طولون -القائم بأعمال الوزارة- أحد أصدقائه إلى الكعك قائلا له: “افطن له” باعتبار أن فيه دنانير من الذهب، ومن هنا اُطلق على الكعك تسمية “افطن له”.

ويقول حافظ، إن فكرة كعك العيد تبلورت في الوجدان الشعبي خلال العصر الفاطمي وارتبطت بالطقوس الاحتفالية للأعياد، “فالفاطميون اهتموا بمظاهر البذخ؛ وتجلى ذلك في الموائد الضخمة، وتوزيع الطعام على الفقراء، وعلى كبار رجال الدولة”.

ويوضح أن المظاهر الاحتفالية المرتبطة بالأعياد كانت تبدأ من الخليفة، وذلك بارتدائه زيًا معينًا في كل عيد؛ كان في عيد الأضحى يرتدي ملابس حمراء، في إشارة إلى الأضحية، وفي عيد الفطر يرتدي الزي الأبيض.

وكانت”دار الفطرة”مؤسسة مسؤولة عن التجهيزات اللازمة للاحتفال بالعيد، كتحضير “كعك العيد”، الذي كان يتم توزيعه بكميات وفيرة جدا.
ويرى حافظ أن هذه العادة خلقت ارتباطا وثيقا بين الاحتفال بعيد الفطر وتوزيع الكعك، ومن ثم أصبح يطلق عليه “كعك العيد”.

وتروي الروايات التاريخية إنّ الفراعنة هم أوّل من عرف الكعك، إذ كان خبّازوهم في البلاط الفرعوني يحسنون صنعه بأشكال مختلفة زادت على 100، كانت تقدم في مناسبات عديدة محلاة بالعسل الأبيض.

كما اعتادت زوجات الملوك إعداد الكعك وتقديمه كقربان إلى الكهنة يوم تعامد الشمس على وجه خوفو، منذ 5 آلاف عام، حيث كان يجتمع المصريون في احتفال رسمي، يقدمون القرابين من بينها الكعك المنقوش بصورة الشمس التي ترمز إلى الإله رع.

وتشير بعض كتب التاريخ المصرية إلى نقش طريقة إعداد الكعك على جدران المعابد.
تعليقات الزوار ( 0 )