الأدب الإسلامي : الأسس والقيم والمعايير - مجلة زهرة
مساحة اعلانية

الأدب الإسلامي : الأسس والقيم والمعايير

كتبه كتب في 27 مارس 2024 - 11:07 ص
مساحة اعلانية

د.طارق فايز العجاوي -عمان

جاء الإسلام بجملة من القيم لا تخفى على أحد، سنامها نظرة الإنسان المسلم إلى الحياة والكون عموماً، وإلى أخيه الإنسان، وفي فهم فطرته وغاية وجوده في الحياة الدنيا ومصيره بعد موته، وفهم قدرته وجوهره وتقرير مصادر المعرفة للإنسان والإنسانية جمعاء، ومصادر العلم بصنوفها المعهودة.

فكما يعلم الجميع، إن أول مصدر للعلم الحقيقي في الإسلام هو الوحي من عند خالقه،الوحي الذي جاء به الأنبياء والرسل والذي ختمهم سيد الخلق محمد عليه الصلاة والسلام.

فالاسلام يربط العبد بربه وخالقه جل شأنه، وهذا الرباط يقوم على ميثاق وعهد يجب على المؤمن أن يلتزمه، وهذا الإلتزام يقوم على الولاء القاطع الملزم الخالص لله تعالى لا يشرك به احدا.

ومن خلال هذا العهد، تنبثق كافه عقوده_أقصد المؤمن_ في الحياة الدنيا، إذا مصدر كل عهد ووعد إلاهي، ومن خلال ذلك ينبع معنى الحب الحقيقي ليكون حب العبد لخالقه ولرسوله صلى الله عليه وسلم. هو أسمى حب وود في حياة المؤمن، ومن خلاله ينبث أي حب دنيوي ٱخر، وعلينا أن ندرك أنه إذا فسدت أو انحرفت عهود الإنسان، أو جنح الولاء وانحرف الحب عن العهد مع الخالق أو الولاء له، جلت قدرته أو الحب لرسوله فسد الحب والولاء والعهد والوفاء، وبالتالي ضاع الإنسان وتاه وضل ممتطيا ظهور الفلسفات والإيديولوجيات والمذاهب، التي بحقيقتها فيها إفساد للفطرة السليمة التي فطر عليها بني البشر.

والمؤمن يمضي على عهده وولائه على يقظة ووعي لا على طيش وجهل وضلال يمضي على وعي حقيقي وصادق للربوبيه والألوهيه، ولحقيقة عبوديته لخالقه جلت قدرته وعلى وعي للأمانة التي يحملها في حياته الدنيويه ولحقيقة المآل والمصير بعد موته، وعلى وعي وتصديق بالبعث والحساب، وهذا حقيقة ما يجعل الإنسان المؤمن مرتبطا بالكون أوسع ارتباط؛ هذا الارتباط مبناه ومؤداه الامتداد من الممر إلى المستقر من الدنيا إلى الٱخره، ليعي ٱيات خالقه الوارفة الممتدة رويةً حقيقتها الإيمان والتوحيد والتصديق، فينيب ويخشع ويزداد يقينا وإيمانا، وبالتالي يضحي العبد القوي على الأرض بالرسالة الجليلهدة العظيمة التي يحملها ويعتز بحملها.

هذا العبد، بهذا التوحيد والإيمان، بهذا العلم والوعي بهذا الحب والعهد والولاء والطاعة، بهذه الإنابة وبهذا الخشوع، بهذه الرسالة العظيمة، وبهذه القوة وبكل ما يحمله الإنسان الذي كرمه خالقه وأكرمه حقيقة بالأمانة، التي حملها والخلافة التي أنيطت به والعمارة_إعمار الأرض_التي أمره الخالق بها والعبودية لله رب العالمين جل شأنه، تلك العبودية التي خُلق ووجد لها ليكون بها عزيزا في الحياة الدنيا ناجيا في الدار الاخرة، وفعليا يجمع هذه القيم والتصورات كلها ويفصلها منهاج الله كتابا وسنة، كم نزل على نبينا الكريم صلى الله عليه وسلم)،وحيا باللغه العربية العظيمة التي كرمها الله، كي تكون لغة كتابه العزيز وبيانا معجزا جليا ميسرا للذكر والشكر.

فمن هذا المخلوق المؤمن الذي يحمل أسمى معاني الخير وأعظم رسالة حملتها البشرية، ينبع الأدب الإسلامي بشقيه الشعر والنثر، كي ينهض بدوره في أداء الأمانة وواجب العمارة وحق الخلافة وعزة العبودية للخالق رب العالمين جلت قدرته.

من هذا الإنسان ينبع الأدب الإسلامي، ومن خلال هذا التصور دون غي أو انحراف ولا حتى اصطدام، هذا الإنسان المؤمن يخرج منه أدب بطعم ولون واحد هو(أدب الإسلام) ،فهذا الإنسان هو حاجة البشرية قاطبة وأدبه الثر الصادق، هو حاجة الإنسانيه بقضها وقضيضها، تنظر إليه وتنتظره كي يعود الخير والصدق والأمانة، كي يسعد الطفل والكهل الرجل والمرأه ليسعد الإنسان من أجل كل ذلك شرع الجهاد في سبيل الله، ومن أجل ذلك كان الأدب الإسلامي أدب الجهاد والمجاهدة في سبيل الله، تفتحت وأشرعت كافة ميادين الكون وكافة موضوعاته بالبيان الوارف الرائع إلى سنام الأدب الإنساني، وليكون فعلا هو الأدب الحقيقي في هذه الدنيا .

هذه هي قيم ومزايا وخصائص وقواعد الأدب الإسلامي_أدب الرسالة_ومن هذا النبع الأدبي الثر، يخرج الشعر والنثر ليكون أدب العلم والصدق والوعي والحق،أدب اليقظة لا أدب الأوهام ولا أدب الخرافات والأساطير…….إلخ.

فالادب الإسلامي يختلف عن سائر الآداب بما اسلفنا، فنظرته مختلفه بخصوص الكون والحياة والإنسان، وتختلف من حيث المصدر على صعيد العلم والمعرفة، وأيضا يختلف اختلافا كليا بخصوص نظرته للماضي والتراث والمستقبل أيضا، ولا شك أن هناك كثيرا من المذاهب تريد قطع وبتر الرابط والصلة مع الماضي في الوقت الذي يصل فيه الإسلام الأجيال كلها بالحق الذي يدعو إليه ويطرح الباطل ويصل الدنيا بالآخرة.

فأدبنا الإسلامي يرفض الخرافة والأسطورة والأوهام، ويقوم على اليقين والحق ويؤمن بالغيب الحق الذي يأتي من عند الخالق، وحقيقة يجب الإشارة إليها ونحن بهذا الصدد، ألا وهي إن الخرافات والأساطير لا تظهر في الأدب والفن عموما،إلا عندما ينقطع الإنسان عن مصادر العلم اليقيني، علم الغيب الحق من عند الله.

فالأدب في الاسلام يصل الأجيال كافه صلة أرحام وصلة رساله وتاريخ يمتد مع الحياة.
ويرعى الأسرة وروابطها ويبين ويحدد دورا كريما للرجل ومثله للمرأة على أساس الصلة الطاهرة والتعاون والسكن.

وتلك الٱداب على الضفة الأخرى_ تقطع صلة الأجيال ببعضها، وتهدم الأسرة وتدعو إلى الرذيلة والفاحشة تحت شعار باطل كاذب، هو طرحهم المذموم مساواة المرأة بالرجل، وهذه الآداب تلتزم وتأخد بتناقضها عن الماضي الأسطورة والخرافة تقليدا أعمى في الوقت الذي ينكر ويرفض الإسلام الإتباع الجاهل والتقليد الأعمى، ويدعو إلى الايمان والعلم والوعي، ويؤكد ان سنن ونواميس الكون والحياة ٱيات بينات للخالق، في حين تلك المذاهب تنكر النواميس والسنن الربانية وتحاول بجهلها المطبق مصادمتها،ونعلم جميعا ٱن تلك المذاهب والفلسفات الحداثية تعلن حربها على اللغة وتدعو إلى إفراغ الكلمات من معانيها وإلغاء علم المعاني والمعاجم والنحو………..إلخ ويطلقون على هذا وغيره من طروحاتهم نظرية (الشاعرية)ليجعلوا منها يما واسعا من الضلالات والأوهام يضل ويشتت ويضيع فيه الإنسان.

بينما الإسلام أساسه منهاج الخالق لسانا عربيا لاعوج فيه، تنهض لغتنا العربية لغة كتابه المعجز، فمن خلال ما أوردناه يظهر الاختلاف الجوهري الهام بين النظرتين_كفة الإسلام وكفة الٱداب الأخرى_وخاصة في مجال التطور والتجديد والنمو، فالإسلام وأدبه يدعو حقيقة إلى التجديد والتطور والنمو في جهدنا البشري بشرط أن يبقى محتفظا بجذوره وأصالته وقيمه، فهو كالشجرة التي لا تطرح إلا طيبا.

إذا من الظلم البواح أن نطبق ذات المقاييس على الأدب الإسلامي بالصفة التي تطبق على تلك المذاهب والفلسفات، ومن الإجحاف اعتمادها مقاييس وموازين لتطبيقها على الأدب الاسلامي.

إذا التصور الإسلامي لمفهوم الأدب بشقيه الشعر والنثر ومنطلقه ينبع من كتاب الله جلت قدرته وسنة نبيه الكريمعليه الصلاة والسلا، وبناء على ذلك، يجب أن تكون النظرية في أدبنا الإسلامي الثر الوارف ومن خلالها يجب أن يتولد النص الأدبي أو التعبير الفني عموما من حيث الجمال والمجال والمدى.

ولا أريد أن أخوض في هذه النظريات والفلسفات الوضعية التي رانت على الساحة العالمية عموما، وعلى ساحتنا خاصة من أفلاطون وانتقال الأفكار من اليونان إلى روما وبومجارتين وديدرو وكانت وفيتشيه وشابنهور وامتداد النظريات والفلسفات في أوروبا على غير ثبات واستقرار، امتدادا إلى فيتوفيلجوتيه الذي يعتبر من أهم دعاة(الفن للفن) وهو القائل”لا وجود لشيء جميل حقا ،إلا إذا كان لا فائدة له.وكل ما هو نافع قبيح” ثم جاء تاليا ادجارالنبو متأثرا بفلسفة هيجل وكانت وبندتوكورتشي الإيطالي
متأثرا بهيجل واليوت.

وتبع رجال الحداثة في أيامنا هذه، نظريات متناقضه ومتضاربه أدت إلى نشر الرذيله والفتنة والفساد، واشتد الصراع بين مختلف النظريات والفلسفات، فنجد منهم من يغلب العاطفة على الفكر ومنهم من يغلب الفكر على العاطفة، وذاك يمجد الإنسان نفسه وآخر يحدد دوره _أي الإنسان_ وآخر يلغيه_أي يلغي دور الإنسان_في فترة ما ونجد بعضهم يرفع من النزعة الإنسانية والٱخر يخفضها وحقيقة جميعهم حطُوا من قيمة الانسان وقدره وقيمة الجمال وشأنه عندما قاموا بعزله عن الإيمان والتوحيد.

أما في حمانا الإسلامي، وفيما يخص الٱداب نجد أن الفطرة في الإنسان كما يمكننا فهمها من خلال نصوص الكتاب والسنه النبوية، هي مستودع الطاقات الإنسانية ومستودع الأهواء والميول والغرائز، وأهم هذه القوى على الإطلاق قوة التوحيد والإيمان التي غرسها الخالق في فطرة خلقه، حتى لا يكون لأحد حجة أبدا، وفعلا جاءت ٱياته جلت قدرته في الكون والحياة لتغذي هذا الاعتقاد والايمان رحمة منه جل شأنه، ثم جاءت الرسل والكتب المنزلة، لتُختتم برسالة الإسلام رسالة، رسولنا محمد عليه الصلاة والسلام، حتى لا يكون للخلق على الله حجة بعد رسله.

فالإيمان والتوحيد حقيقة؛ هما القوة التي توازن بين سائر القوى والغرائز والشهوات والميول، وهما النبع والمنبع الذي ترتوي منه هذه القوى كافة،رياً عادلا يحفظ عليها العدالة والموازنة والاتساق، إذا ما دامت كل قوة من هذه القوى مرتبطة حكما بالايمان مرتوية منه فهي قوة خير وهناء وتقوى، فإذا انعزلت أو نضب النبع أضحت هذه القوة أو تلك فجورا وشرا ومجونا…….إلخ.

والقوى الرئيسة والهامة في فطرة الإنسان تنصب مجملا في قوتين رئيستين هما:
1.العقل والفكر
2.العاطفة والإحساس.
فالأولى هي قوة التفكير والتدبر والتأمل والتحليل والدراسة وجمع المعلومات…….إلخ.

وقد اصطلح على تسميته قوة(الفكر)، أما الثانية فهي قوة الشعور والإحساس وتشتمل على العاطفة والرحمة والحنان……….إلخ.

ولقد اصطلح على تسميتها قوة العاطفة.
فمع كل عطاء يزجيه ويقدمه الإنسان، تعملان هاتان القوتان معا ولا يتضار أو يختلف المرء إلا بدرجة هذه القوة أو تلك مع هذا العطاء أو ذاك، ففي العطاء يغلب قدر الفكر دون أن يموت الشعور والإحساس، ولكنه يخف ويبهت ويضعف، وفي وقت ٱخر تغلب العاطفة ولكن يبقى للعقل دور مهم ضعف أو قل، وعليه فإنهما قوتان رئيستان في جبلتنا وفطرتنا الإنسانية تعملان معا على رتب ودرجات متفاوتة بين عطاء وعطاء.

فالإنسان في مسيرة حياته يمر بتجارب وأحداث تترك فيه بصمات وٱثار، في فكره وعاطفته على سنن لله ماضية وتبقى القوتان_الفكر والعاطفة_تتغذى وترتوي من ري الإيمان والتوحيد، كما تتغذى سائر القوى على موازنة واتساق خاضعة لنواميس وسنن ربانية.

أيها الإخوة، إن الإنسان عندما يتحرك للعمل تتحرك فيه قوة مهمة، الا وهي النية، وهي في حقيقتها القصد والعزيمة والتوجه، فلا عمل بغير نيه، فإذا كانت لوجه الله، عندها تصبح القوة التي تفتح نبع الإيمان والتوحيد، كي يرتوي منه الفكر وترتوي أيضا العاطفة وسائر القوى العاملة في فطرة الإنسان، سواء في حالة العلم والجهل، وفي نفس الوقت تمر الأحداث والتجارب وكل ما يجني الإنسان على النية وعلى الإيمان والتوحيد، كي يتم تنقيتها وغسلها ثم تثبت على جناحي الفكر والعاطفة، قوى تنمو عليهما وتزداد كأنها تنتظر لحظة محددة، ينطلق معا التفاعل بينهما وفي الوقت الذي تأتي فيه هذة اللحظة المحددة بعينها على قدر من الخالق جلت قدرته، وفي الوقت الذي تكون الإشعاعات والشحنات هنا وهناك دنت ونمت مع بعضها للتفاعل في هذه اللحظة عينها، تتحرك الموهبة وهي حقيقة القوة المختزنة في فطرتنا الإنسانية وفي كياننا،تتحرك هذه القوة المحركة وتندفع لتطلق الومضة الغنية على شكل عطاء فني أو علمي على حسب الموهبة التي أوجدها الخالق في هذا الانسان أو ذاك.
وتفرز هذه الومضة أو الإشراقة عملاً قيماً يحمل في ثناياه كافة عناصر الجمال المؤثر في النفس المستقبلة المؤمنة، نور الأمان وإشراقة النية وغنى التجربة والزاد والحصاد فى الأسلوب والصياغة وغيرهما، ونقاءوطهارة الفكر والإحساس وصدق العاطفة والشعور وقوة الموهبة وإشعاعها ليحمل هذا كله الجمال الحق المرتبط بالمحيط – الكون – المتصل بالحياة الدنيا والٱخرة فى لحظة من أعظم لحظات العبد المؤمن الذى حباه الخالق وأنعم عليه بموهبة مميزة، وخاصة تدفع عطاء خاصا وحقيقة بقدر ما تكون هذه العناصر كلها غنية، تكون الاشراقة والومضة غنية بالجمال والعطاء ومن الحصاد والزاد اللغة والعلم والفكر والثقافة.

تعليقات الزوار ( 0 )

اترك تعليقاً